لم تكن حرب السودان حرباً عاديةً ولم تكن يوماً حرباً بين جنرالين كما حاول إعلام التضليل أن يصورها للعالم، بل كانت حرباً كونيةً شاركت فيها معظم دول الجوار علناً وسراً، حرباً تقف خلفها غرفة عملياتٍ كبيرةٍ تديرها أبوظبي وتل أبيب، تخططان معاً لجر المنطقة كلها إلى حربٍ شاملةٍ لا تبقي ولا تذر، وعلينا جميعاً اليوم أن نسمي الأشياء بمسمياتها وأن نفضح الدعم اللوجستي الإماراتي السري والعلني لأديس أبابا لضرب السودان وتدمير مقدراته.
إن المتابع للمسيّرات المعتدية يلاحظ بوضوحٍ أنها أصبحت تتميز بدقةٍ متزايدةٍ وبقدراتٍ تكتيكيةٍ عاليةٍ تعتمد على تقليل أعداد الطائرات المستخدمة لتحقيق أقصى ضررٍ ممكنٍ، وهذا تطورٌ لا يمكن أن يحدث صدفةً ولا يمكن أن تمتلكه مليشيا بدائيةٌ، إنه تطورٌ يدار بعقول خبراءٍ وأجهزة استخباراتٍ دوليةٍ، وإن استهداف محطة ضخ المشتقات النفطية الرئيسية بمحلية هيا بولاية البحر الأحمر عبر ثلاث مسيّراتٍ واستهداف محطات الكهرباء عملٌ جبانٌ يخالف القانون الدولي الإنساني جملةً وتفصيلاً ويكشف عن حقدٍ دفينٍ على مقدرات الشعب السوداني البسيط.
إن راعي الضأن في الخلاء يعلم علم اليقين بأن الطائرات المسيّرة التي تستهدف مقدرات الشعب السوداني تنطلق من داخل العمق الإثيوبي، مما يشير إشارةً واضحةً لا لبس فيها إلى وجود غرفة عملياتٍ وتنسيقٍ عالي المستوى يتخذ من الأراضي الإثيوبية منطلقاً لعدوانه على السيادة السودانية ومكتسبات شعبها، ولم يعد هذا الأمر سراً ولا تحليلاً، بل أصبح حقيقةً ماثلةً أمام كل ذي عينين، فالحليف السري الذي كان يتخفى خلف ستار الحياد قد تكشف للعلن وسقط عنه القناع.
لابد من الرد ولكن بطرقٍ أخرى مدروسةٍ، فاللجوء إلى الأمم المتحدة خيارٌ مطروحٌ لكنها لا تفعل شيئاً سوى البيانات، واللجوء للاتحاد الإفريقي خيارٌ آخر لكنه عاجزٌ تماماً ومكبلٌ بالتمويل الإماراتي، واللجوء للمحاكم الدولية خيارٌ مهمٌ مع تقوية الأدلة وفضح تورطها في المخطط وتوثيق كل إحداثيةٍ وكل طلعةٍ، ولكنني أرى أن أي ردٍ عسكريٍ مباشرٍ من قبل القوات المسلحة السودانية واستهداف القواعد المنطلقة منها تلك المسيّرات داخل الحدود الإثيوبية سوف يجر الإقليم والمنطقة بأسرها إلى واحدةٍ من أكبر الحروب الشاملة وأشدها خطورةً في التاريخ الحديث.
إن هذا السيناريو التصعيدي يخدم بصورةٍ مباشرةٍ أجندات ومخططات أبوظبي وتل أبيب اللتين تسعيان بكل قوةٍ لتقويض أي قوة استقرارٍ ذاتيٍ في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر وإغراق المنطقة في صراعاتٍ لا تتوقف، فالمطلوب هو تفكيك المخطط بالحكمة لا بالانفعال، وفضح الحليف السري أمام شعبه وأمام العالم، وكشف أن من يرسل المسيرات ليس وحده في الميدان، بل خلفه تمويلٌ إماراتيٌ سخيٌ وتخطيطٌ إسرائيليٌ خبيثٌ يريد للسودان أن يظل محترقاً وللبحر الأحمر أن يظل مشتعلاً.
meehad74@gmail.com


