32.4 C
Khartoum
الأحد, نوفمبر 1, 2026

نقطة إرتكاز ..د. جادالله فضل المولى ..يكتب: حين يبكي الرجال

إقرأ ايضا

حين يبكي الرجال فاعلم أن الحزن بلغ مبلغاً عظيماً وأن الوجع تجاوز حد الاحتمال، فالرجل لا يبكي بسهولةٍ ولا يئن أنيناً عابراً، هو يصبر صبراً طويلاً ويكتم جرحه كتماناً شديداً حتى إذا فاض الكيل وبلغ السيل الزبى انفجر الدمع انفجاراً حارقاً، ونحن اليوم في السودان نبكي جميعاً، نبكي بصمتٍ موجعٍ وقهرٍ دفينٍ، نبكي وطناً كان ملء السمع والبصر فأصبح جريحاً ينزف على قارعة الطريق.

إن السودان اليوم يبكي بصمتٍ، لكنه لايبكي علي رجاله الذين استشهدوا دفاعاً عن عرضه دفاعاً مجيداً وبسالةً نادرةً وفداءً لا يضاهى، مثلهم لايبكي عليهم فإن البكاء علي الفرسان عار،رجالٌ سقطوا سقوط الأبطال واقفين وقوف الجبال الراسيات، لم يتراجعوا تراجعاً واحداً ولم ينحنوا انحناءة ذلٍ ولم يساوموا مساومة رخيصةٍ، لبسوا الكاكي لبساً شريفاً وحملوا السلاح حملاً طاهراً ومضوا إلى الله مضاءً كريماً وتركوا وراءهم أمهاتٍ ثكالى وزوجاتٍ أرامل وأطفالاً يتامى، هؤلاء الرجال هم تاج الرأس وفخر الوطن ومجده الباقي.

ويبكي نساءه اللاتي انتهكت حرمتهن انتهاكاً جباناً ووحشياً على يد مليشيا لا تعرف شرفاً ولا ديناً ولا خلقاً ولا رجولةً، مليشيا جاءت من صحراء الحقد تحمل سلاحاً أعمى وقلباً ميتاً، دخلت البيوت الآمنة دخولاً غادراً وروعت الحرائر ترويعاً شنيعاً ودنست العفة الطاهرة، أي عارٍ سيلحق بهؤلاء الجبناء وأي لعنةٍ ستلاحقهم لعناً أبدياً في الدنيا والآخرة، فالمرأة في السودان كانت خطاً أحمراً وعرضاً مصوناً فإذا بها تصبح في زمن المليشيا هدفاً مستباحاً، وهذا هو الجرح الذي لا يندمل جرحاً غائراً في قلب كل سودانيٍ حرٍ.

ويبكي أطفاله الذين ضاع مستقبلهم ضياعاً مريراً وشتت شملهم تشتيتاً قاسياً، أطفالٌ كانوا يحلمون حلماً جميلاً وديعاً بمدرسةٍ نظيفةٍ وكتابٍ جديدٍ وقلمٍ ملونٍ وجرس فسحةٍ يرن رنيناً محبباً، فأصبحوا اليوم يحلمون حلماً بائساً برغيفٍ حافٍ وخيمةٍ تسترهم من المطر وجرعة ماءٍ نظيفةٍ وعودةٍ آمنةٍ إلى بيتٍ لم يعد موجوداً، رأينا الطفل النازح يمشي حافياً مسافاتٍ طويلةً ويحمل على ظهره حقيبةً أكبر من عمره، ورأينا الطفلة تبكي لأنها قتلت والدتها أمام عينها بدم بارد ،فأي وجعٍ يفوق هذا الوجع وأي قهرٍ يفوق هذا القهر.

ويبكي نيله الذي كان يجري عذباً فراتاً سلسبيلاً نقياً رقراقاً فأصبح يجري دمعاً مالحاً وحزناً ثقيلاً وشاهداً على الجريمة، النيل الذي كان يغني له المغنون غناءً عذباً أصبح اليوم يشكو شكوى حزينةً، يمر على الجزيرة فيجدها خاويةً وعلى الخرطوم فيجدها محروقةً فيبكي بصمتٍ ويواصل الجريان كأنه يحمل رسالةً إلى البحر أن السودان حزينٌ حزناً لا يوصف.

ومع كل هذا الحزن الثقيل الذي يطبق على الصدور طبقاً خانقاً ويجثم على القلوب جثوماً موجعاً ويملأ النفوس كآبةً لا تطاق لا يزال هناك بصيص أملٍ، أملٌ يولد صغيرٌ ثم يكبر كل يومٍ ويتسع اتساعاً عجيباًويضيء في آخر النفق ضوءً باهراً ونوراً مقيماً بأن الجيش سيعود منتصراً نصراً عزيزاً مؤزراً مدوياً، جيشٌ صبر صبراً جميلاً وقاتل قتالاً أسطورياً وتحمل ما لا تتحمله الجبال، سيعود يحمل راية النصر ويمسح دمعة الأم ويعيد الطفل إلى مدرسته ويعمر البيوت عماراً جديداً، وأن الوطن سيعود آمناً مطمئناً وأن البيوت ستعمر من جديدٍ عماراً جميلاً فاخراً وأن الشوارع ستضيء ليلاً ونهاراً وأن الضحكة ستعود إلى وجوه الأطفال عوداً حميداً مباركاً طال انتظاره.

هذا الحزن ليس ضعفاً ولا انكساراً أبداً وليس هزيمةً ولا استسلاماً، بل هو حزن الرجال الذين يعرفون قيمة الوطن معرفةً يقينيةً ويقدرون ترابه تقديراً عظيماً، حزنٌ يولد في القلب قوةً صلبةً لا تلين وفي العين دمعةً حارةً صادقةً وفي اليد سلاحاً ماضياً وعزماً لا يلين وإصراراً لا ينكسر، سنحزن اليوم حزناً عميقاً وسنبكي ليلاً طويلاً حتى تبيض العيون من الدمع وحتى تجف المآقي، ولكننا غداً سنبني وطناً جديداً بناءً راسخاً رسوخ الجبال الشم، بناءً متيناً لا تهزه الرياح العاتية ولا تكسره المؤامرات الدنيئة ولا تنال منه الخيانات الرخيصة، وسيذكر التاريخ أننا حزنا كثيراً وتألمنا طويلاً وبكينا دماً لا دمعاً وصبرنا صبراً لا يطيقه إلا الرجال ولكننا لم نركع أبداً إلا لله ولم نساوم على شبرٍ واحدٍ من أرض السودان الطاهرة الطهور وسيكتمل الفرح قريباً اكتمالاً تاماً بإذن الله الواحد القهار.دمتم بخير.
meehad74@gmail.com

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة