ليست أعظم انتصارات الأمم تلك التي تحققها الجيوش في ميادين القتال وحدها، وإنما تلك التي تنتزع بها الشعوب حقها في الحياة الكريمة، وتحول مواردها إلى قوة اقتصادية تحفظ استقلالها وتصون سيادتها. فالأرض التي تحرسها البنادق لا تكتمل حمايتها إلا حين ترويها المياه، وتخضر فيها الحقول، ويأكل أهلها من خيراتها.
من هذا المنظور، يبرز القرار الذي تحدث عنه مستشار رئيس مجلس السيادة، الدكتور أمجد فريد، بشأن توجيه الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان بتوفير منظومات الطاقة الشمسية للمشاريع الزراعية المروية آليا، مجانا وعلى نفقة الدولة، باعتباره توجها اقتصاديا استراتيجيا يستحق الإشادة والتقدير.
إن أهمية هذا القرار لا تكمن في توفير بدائل للطاقة فحسب، بل في فلسفته التي تضع الإنتاج الزراعي في قلب معركة الأمن القومي، وتؤكد أن بناء الاقتصاد يمثل امتدادا طبيعيا لمعركة الدفاع عن الوطن.
لقد عانى المزارع السوداني طويلا من ارتفاع أسعار الوقود، واضطراب الإمداد الكهربائي، وتكاليف الري التي أثقلت كاهل الإنتاج، حتى أصبحت الأرض الخصبة عاجزة أحيانا عن العطاء، لا لندرة المياه أو ضعف التربة، وإنما لغياب الطاقة اللازمة لاستثمارها.
وهنا تتجلى القيمة الاقتصادية لرؤية البرهان؛ فحين تتحمل الدولة تكلفة إنشاء منظومات الطاقة الشمسية، فإنها لا تقدم منحة استهلاكية، وإنما تؤسس لأصول إنتاجية طويلة الأجل، تخفض تكاليف التشغيل، وتحد من استهلاك الوقود، وتخفف الضغط على النقد الأجنبي، وتمنح المزارع قدرة أكبر على التخطيط والاستمرار.
وإذا أحسن تنفيذ المشروع، فإن عوائده ستتجاوز حدود الحقول إلى الأسواق والمصانع والموانئ، عبر زيادة الإنتاج، وتنشيط الصناعات الغذائية، وتعزيز الصادرات، وخلق فرص العمل، وتحسين الميزان التجاري.
فكل فدان يدخل دائرة الإنتاج يضيف إلى قوة الاقتصاد، وكل محصول يغنينا عن الاستيراد يعزز استقلال القرار الوطني.
والسودان، بما يمتلكه من أراض زراعية شاسعة ومياه وموارد بشرية وسطوع شمسي وفير، مؤهل لأن يجعل الطاقة المتجددة ركيزة لنهضة زراعية حقيقية، تنقله من دائرة الإمكانات المعطلة إلى رحاب الإنتاج الواسع.
غير أن القرارات التاريخية تحتاج إلى إدارة تليق بحجمها؛ فالمطلوب برنامج قومي واضح، يقوم على عدالة توزيع المنظومات، وجودة المواصفات، وكفاءة التشغيل والصيانة، والشفافية في الإنفاق، والمحاسبة على أي تعطيل متعمد يثبت بالأدلة.
كما أن نجاح المبادرة ينبغي أن يقاس بزيادة المساحات المزروعة، واستقرار الإنتاج، وانخفاض التكلفة، لا بعدد المنظومات التي يجري تركيبها وحده.
إنني أرى في هذا التوجه رسالة وطنية بالغة الدلالة، مفادها أن السودان، رغم الحرب وتحدياتها، لم يفقد إرادة البناء، وأن القيادة التي تفكر في غذاء شعبها وهي تواجه أخطار الحرب تدرك أن السيادة السياسية لا تنفصل عن السيادة الاقتصادية.
وفي خاتمة القول، فإن أعظم ما نرجوه أن تتحول هذه الرؤية إلى نهضة زراعية شاملة، يصبح فيها السودان منتجا لغذائه، مصدرا لفوائضه، ومالكا لقراره.
فالأوطان العظيمة لا تحرس حدودها بالسلاح وحده، بل تحرس مستقبلها بالعلم والعمل والإنتاج.
وليكن السودان وطنا يحميه جيشه، ويعمره شعبه، وتغنيه أرضه، وتصون كرامته إرادته.
السودان أولا.. جيش واحد، شعب واحد، وطن واحد.


