في الوقت الذي لا تزال فيه أصداء الغارات الإسرائيلية على الداخل الإيراني تتردد في أروقة الإعلام والغرف السياسية المغلقة، يبدو واضحًا أن المنطقة ليست أمام تصعيد عابر، بل أمام مرحلة جديدة من إعادة ضبط الإقليم على مقاس اللاعبين الكبار. هذه الضربات، وإن حملت شعارات أمنية أو ردعية، فإنها تندرج ضمن سياق أوسع من الهندسة السياسية والأمنية للمنطقة، التي يتم رسمها بخيوط أجنبية وتحالفات إقليمية هجينة، وعلى حساب الشعوب ومقدساتها وهوياتها.
المتابع لما يجري لا يسعه إلا أن يربط بين هذه التحركات العسكرية وبين المخطط الأعمّ لتفكيك المنطقة وإعادة تشكيلها وفق خرائط ناعمة لا تقل خطورة عن سايكس بيكو، بل تفوقها دهاءً. وهنا، لا يمكن إغفال أن الهوية السنية، بتجذرها وامتدادها الشعبي، لا تزال تمثل العقبة الأصعب في وجه هذا المخطط، ولهذا السبب تحديدًا تتعرض للاستنزاف والاحتواء في أكثر من جبهة.
تتداخل خيوط العبث السياسي العالمي مع مشاريع تفتيت الهوية وزعزعة الاستقرار، تحت ستار شعارات براقة وتحالفات مشبوهة. لسنا أمام أحداث معزولة، بل أمام مشهد مركّب يُدار بعناية، لكنه لا يخلو من علامات الفوضى، لأن الشعوب باتت تدرك أن ما يُحاك لها يتجاوز الحسابات المحلية، ويطال وجودها نفسه.
الرايات التي تجتمع اليوم في ظاهرها تناقض، لكن وحدة الأهداف والمصالح تفضح ما وراء الستار. فهناك توافق غير معلن بين قوى طالما التقت على استهداف الهوية السنية، كما رأينا في سوريا، اليمن، العراق، وحتى في دوائر الملف الفلسطيني، حيث يُهمَّش الصوت السني المقاوم لحساب سرديات أقلوية تخدم التوازنات لا المبادئ.
وليس هذا تحليلًا متشائمًا، بل قراءة واقعية مدعومة بشواهد التاريخ والواقع. ألم يقل الله تعالى:
> “وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ”
[سورة آل عمران: 139]
إن اختزال القرار السيادي في مصالح الطوائف أو تحالفات العواصم الكبرى، معناه تسليم مفاتيح الأمة لأيدٍ لا تخفي عداءها لمقدساتها. ألا يُفترض أن يكون العدوان المتكرر على غزة، والصمت العالمي المريب، كافيًا لقراءة المشهد بوضوح؟ من لم يرَ بعدُ أن هناك تقاطعًا عميقًا بين الاحتلال والاستبداد، فليعد قراءة قواعد اللعبة من جديد.
وقد صدق النبي ﷺ حين قال:
> “توشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها…”
[رواه أبو داود]
وها نحن اليوم نُشاهد كيف تداعت الأمم، وتهاوت خطوط الدفاع، لا لقلة في العدد، بل لضعف في البصيرة وفقدان بوصلة الهوية.
إن مسؤولية المواجهة لا تقع على الساسة وحدهم. المنابر الفكرية والإعلامية مدعوة إلى الخروج من دوائر التردد، فالمعركة اليوم معركة وعي، لا سلاح فقط. والسكوت عنها ليس حيادًا، بل تواطؤ ناعم.
ختامًا، نذكّر بقول ابن خلدون:
> “الظلم مؤذن بخراب العمران”،
وإذا ما استُبيحت الكرامات، وسُحقت الهويات، فإن الخراب لا يعرف لونًا ولا طائفة.
يونيو 2025


