في لحظةٍ يُفترض أن تكون فيها القوانين وسيلة لحماية المجتمع وصون الحقوق العامة، يبرز التعديل الأخير على قانون الجرائم المعلوماتية بوجهٍ براقٍ وشعارٍ جذّاب: “ضبط الفوضى الإلكترونية”. غير أن بريق العنوان سرعان ما يخفت أمام جوهرٍ يشي بسياساتٍ تُعيد إنتاج الخوف وتضيّق الخناق على الفضاء العام، وكأنّ البلاد لم تشبع بعد من تجارب القمع وتكميم الأصوات.
فبدلاً من أن تتجه السلطة إلى حماية المجتمع من جرائم الاحتيال الإلكتروني ونشر الأكاذيب، يبدو أنّ همّها الأكبر أصبح في تطويق الكلمة وملاحقة أصحاب الرأي والفكر. قانونٌ كهذا، في ظرفٍ اقتصادي متدهور، لا يعكس سوى أولوياتٍ مقلوبة، وسلطةٍ اختارت مراقبة الناقد بدلاً من مراقبة الفاسد، وملاحقة القلم بدلاً من ملاحقة من ينهب قوت الناس.
في بلدٍ يرزح تحت وطأة الغلاء والبطالة، وتتهاوى فيه مؤسسات الدولة أمام سطوة السوق، لا يمكن لقانونٍ كهذا إلا أن يزيد من أزمة الثقة بين المواطن والحاكم. فحين تصبح الكلمة الحرة جريمة، يغدو الصمت فضيلة، وحين تُدار البلاد بالخوف بدلاً من الشفافية، يضيع الأمل في الإصلاح.
لقد خاض السودانيون معارك طويلة من أجل أن تكون الكلمة الحرة سلاح الوعي لا أداة الإدانة. واليوم، بينما تتهاوى القيم الاقتصادية والسياسية، يُراد للكلمة أن تُكمم، وللعقل أن يُقيد. إنها مفارقةٌ مؤلمة: سلطةٌ تخشى الرأي أكثر مما تخشى الانهيار الاقتصادي، وتواجه النقد بشراسةٍ أكبر من مواجهتها للفساد.
إنّ أخطر ما تحمله هذه التعديلات ليس فقط ما تمسّه من حرية التعبير، بل ما ترسّخه من علاقةٍ مختلةٍ بين الدولة ومواطنيها. فحين تتحول الحكومة من سلطةٍ مسؤولة إلى سلطةٍ مرتابة، ومن حامٍ للشعب إلى رقيبٍ عليه، فإنها تكون قد فقدت بوصلتها الأخلاقية التي تُقيم عليها شرعيتها.
السودان اليوم لا يحتاج إلى قوانين تُخيف الناس، بل إلى إرادةٍ تُنقذهم من الفقر، وإلى إصلاحٍ يعيد للدولة توازنها وللاقتصاد عافيته. فالأوطان لا تُبنى بالصمت، ولا تُدار بالعصا، بل تُنهضها الكلمة الصادقة حين تجد من يصغي إليها بعقلٍ راشدٍ وقلبٍ وطنيٍّ مؤمن بأن الحرية ليست خصماً من هيبة الدولة، بل هي هيبتها ذاتها.


