38.1 C
Khartoum
الإثنين, مارس 16, 2026

دور وزارة العدل في قيادة التحول نحو السلام وإرساء دولة القانون في السودان. د.رجاء عبدالله حمد الزبير 2/نوفمبر/2025

إقرأ ايضا

تشهد الحروب المعاصرة تحولاتٍ جوهرية في طبيعتها وأطرافها،فلم
تقتصر على صراعات تقليدية بين جيوش نظامية،بل أصبحت تتخذ
أشكالاً مركبة تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية
وتشارك فيها كيانات مسلحة من غير الدول،تمتلك أجنداتٍ متباينة
ومصادر تمويل غير مشروعة ،وقد أفرز هذا التحول ما يُعرف بالحروب
الهجينة،التي تستهدف الدولة من داخلها وتُقوض مؤسساتها الوطنية
مستخدمةً العنف ضد المدنيين وسيلةً لتحقيق مكاسب سياسية
وميدانية.
ويمثل السودان اليوم أحد أبرز النماذج لهذه الحروب الحديثة،إذ تشابكت
فيه المصالح الداخلية والإقليمية والدولية،وتداخلت النزاعات المسلحة مع
الهويات القبلية والجهوية مما أدى إلى تفكك مؤسسات الدولة وتدهور
الخدمات العامة وتهديد وحدة النسيج الوطني ،وأمام هذه التحديات
برزت الحاجة الملحة إلى مشروع وطني شامل يعيد تاسيس الدولة على
قاعدة العدالة وسيادة القانون باعتبارهما الضمانة الأساسية للاستقرار
والسلام الدائم.
وقد شهد السودان في المرحلة الراهنة انهياراً واسعاً في مؤسساته
جراء الحرب الدائرة التي عطلت أجهزة الدولة وأضعفت بنيتها الوطنية
وفي مواجهة هذا العدوان، هب أبناء الشعب السوداني ومعه القوات
المسلحة الوطنية دفاعاً عن الدولة ومواطنيها وصوناً لوحدتها وسيادتها
في وجه المخاطر المتعددة،إدراكاً منهم أن الحفاظ على كيان الدولة يمثل
أولوية وطنية لا يمكن التفريط فيها.
وفي ظل هذا المشهد المأزوم،تبرز وزارة العدل بوصفها الحارس الأمين
لشرعية الدولة وزراعها القانوني ،والمسؤولة عن قيادة التحول من حالة
الحرب إلى مرحلة السلام ،ومن واقع الفوضى إلى سيادة القانون ،فتحقيق
السلام المستدام لا يتم عبر اتفاق سياسي فحسب،بل من خلال منظومة
قانونية ومؤسسية متكاملة تضمن تنفيذ ما يُتفق عليه،وتحمي الحقوق
وتؤسس لدولة قائمة على العدالة لا على موازين القوة.
وفي خضم هذه التطورات، بادرت بعض الجهات الدولية من بينها
الولايات المتحدة الامريكية ودول أخرى،تهدف إلى وقف العدائيات
وتهيئة المناخ لتسوية سياسية شاملة.
غير أن المنطق القانوني والسياسي يقتضي التمييز بين وقف العمليات
العسكرية بوصفه إجراءً عسكرياً تكتيكياً مؤقتاً وبين عملية السلام الوطنية
التي تستهدف معالجة جذور الأزمة وبناء توافق شامل، فالأول شأن
عسكري بين الأطراف المتحاربة ،بينما الثاني عملية وطنية تتطلب
مشاركة المواطنين وممثليهم الحقيقيين في صياغة مستقبل الدولة
القومية وسيادتها ونظامها الدستوري.
ذلك لان السلام الحقيقي لا يُبنى باتفاق بين قوتين مسلحتين ،بل بتوافق
وطني جامع يستند إلى مبادئ العدالة والمساءلة والمصالحة،ويعبر
عن إرادة الشعب السوداني بكافة مكوناته،ولعل من أهم الدروس
التي أثبتتها التجارب المقارنة أن تعدد القوى المسلحة داخل الدولة
يهدد بقاءها ويقوض مؤسساتها الشرعية ،لذلك يجب أن يظل إحتكار
الدولة للسلاح تحت مظلة القوات المسلحة القومية مبدأً ثابتاً
غير قابل للتنازل أو المساومة .
وفي هذا السياق، تضطلع وزارة العدل بدور محوري في ضمان أن
تتم جميع عمليات وقف العدائيات والتسويات السياسية ضمن
إطار قانوني واضح يحفظ سيادة الدولة ويكفل العدالة وعدم
الإفلات من العقاب ويتوجب عليها إعداد الأطر القانونية المنظمة
لمسار عمليات السلام وتحديد مسؤوليات الأطراف الموقعة،مع
إدراج أحكام العدالة الإنتقالية في الاتفاقات بحيث تتيح محاسبة
مرتكبي الإنتهاكات من جميع الأطراف وفقاً للقانون الوطني والمعايير
الدولية .
إن العدالة الإنتقالية تمثل الركيزة الأساسية لأي عملية سلام حقيقية
إذ تربط بين العدالة والمصالحة ،وتحول دون تكرار الجرائم
والانتهاكات مستقبلاً،كما ان وزارة العدل مطالبة بإصلاح المنظومة
التشريعية ومراجعة القوانين القائمة لتتواءم مع متطلبات المرحلة
الانتقالية ،لا سيما القوانين المنظمة للمؤسسات الأمنية والعسكرية
وقوانين العدالة الجنائية بما يحقق التوازن بين مقتضيات الأمن
القومي واحترام حقوق الانسان.
كذلك ينبغي أن تعمل الوزارة على صياغة أطر قانونية تتيح إشراك
المجتمع المدني في تفعيل آليات المساءلة والشفافية في إدارة
عملية السلام المرتقبة،بما يضمن إتساقها مع مبادئ العدالة
والشرعية الدستورية.
في ضوء ما تقدم فإن الطريق نحو سلام عادل يمر عبر وزارة العدل التي
تتحمل مسؤوليتها التاريخية والقانونية في بناء السلام وترسيخ حكم
القانون ،ويمكن تلخيص أدوارها الأساسية في النقاط الآتية:

*ترسيخ الشرعية الدستورية لضمان أن تتم جميع عمليات التسوية
في إطار يحفظ وحدة الدولة وسيادتها.
*تعزيز سيادة القانون بوصفه المرجعية العليا في إدارة المرحلة الإنتقالية
*تحقيق العدالة الإنتقالية بمحاسبة مرتكبي الانتهاكات من جميع
الأطراف وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب.
*إصلاح المنظومة التشريعية بمراجعة القوانيين لتتماشى مع متطلبات
بناء السلام وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة