شكرا جزيلا لجميع المناطق في هذا البلد المنكوب التي استقبلت النازحين والفارين من ويلات الحرب، ونخص بالشكر أهلنا في الدبة وطويلة وشمال وغرب كردفان، وشكر خاص لأهالي قري “أبوماريقا” و”جامريكا” الواقعة في غرب كردفان .
لقد عانى اللاجئون النازحون من ويلات الحرب، وتجرعوا مرارة الجوع والخوف والانكسار والتشتيت، وواجهوا الذل والإهانة. عندما غادرنا النهود في أواخر مايو الماضي، كنا نأمل أن نجد جهات خيرية تقدم لنا ابسط شئ وهي قوارير المياه في صيف حار لم نجد ذلك ووجدنا رحمة الله وشهامة البسطاء من الأهالي…خرجنا بعد أن ضاقت علينا المدينة بالقتل والرعب والنهب.
عجز القادرون عن تقديم المساعدة للنازحين من مواطني النهود، حيث فروا بأنفسهم وتركوا الآخرين يواجهون الموت.
كان مواطنو النهود يزورون المقابر أكثر من مرة في اليوم لتوديع الشهداء الذين ضحوا بحياتهم لحماية أعراضهم. كان الناس يتقاسمون “النبق” لعلهم يسدون جوعهم، وكانت المياه نادرة، حيث كان كبار السن والأطفال فقط من يشربون الماء فى ايام عصيبة حفظا للحياة..
وفي مشهد آخر، كان القتلة والمجرمون يرقصون فرحًا بمال الناس ومدخراتهم، كانوا يتعاطون كل ما هو ممنوع ومحرم.
حتي الكلاب كانت تختبئ من رصاصهم الغادر ، بينما كان اللصوص يتنقلون بين منازل الفقراء، يسرقون ويخربون.
كم من رصاصة لم تستقر في رأس أو جسد، بل استقبلتها جذوع الأشجار وجدران المنازل، وابتلعتها الأرض. رصاص طائش يغطي سطح التراب كثرة وعبثا.
خرجنا من النهود وذكر الله هو ملاذنا، حسبنا الله ونعم الوكيل.
بعد أن قطعنا مسافة من النهود، رأينا الفارين مثلنا، تُجرّهم عربات “الكارو” والحمير، التي كانت أسرع في النجدة من القادرين على المساعدة من الرسميين والجهات ذات الصلة.
لن ننسى من قتل ونهب وسرق، ولن ننسى من هرب بنفسه. في الطريق، لم نجد سوى ظلال الأشجار وبرك المياه التي استقبلت الفارين، وقُرىً مررنا بها كانت مثالاً للكرم والشهامة.
شكرا لأهل قرية “أبوماريقا” الذين كانوا ملاذًا وميناءً للعديد من السكان الفارين، حيث اتخذوا من مدارسها ومساجدها وظلال أشجارها ملاذات.
حضر الناس ولم يجدوا المنظمات الوطنية أو الدولية، بل وجدوا أهل القرى الذين ناموا على الأرض وتركوا الأسرة للضيوف، وكانت الوجبات رغم تواضعها مستمرة مع الشاي والقهوة طوال اليوم.
شكرًا جزيلاً لأهالي “أبوماريقا” ولأسرة وأبناء المرحوم “خير الله” الذين استضافوا المئات من المنكوبين ونقلوهم بمركباتهم إلى مناطق مختلفة.
شكرًا لقرية “جامريكا” وشبابها ونسائها وأطفالها، فقد أكرموا المئات من المارين بها، حتى نحروا الذبائح إكرامًا للضيف.
تلك القرى لم تتلق أي دعم رسمي، بل قامت على جهود أبنائها الذين جلبوا المال والعربات عمروا القرى بالجهد الشعبي آبار مياه ومدارس وشفخانات.
رزقهم ومعيشتهم تأتي من العمل الحر والزراعة وتربية المواشي، وللأسف، لم يهتم الكثير من المسؤولين بأمرهم بعد أن أستجدوهم و طلبوا أصواتهم في الانتخابات من أجل كراسي السلطة.
ياليت ما أنفق في هذه الحرب اللعينة يُوجه لبناء تلك البيوت العامرة بالقيم والأخلاق. وكم من أشعث أغبر نحيف تزدريه..وهو في ثيابه أسدا هصورا. عظم الله اجركم وفتح الله عليكم بركاته يامن أحسنتم واستقبلتم كل لاجئ السودان.
المستحيل.. الممكن د. حافظ كوكو إبراهيم عجز القادرون عن تقديم العون، بينما كان لأهالي “أبوماريقا” و”جامريكا” حضورٌ مميز.


