في خواتيم خريف العام 2016 م ، انزلتني طائرة شركة تاركو للطيران في مطار الشهيد صبيرة في مدينة الجنينة حاضرة ولاية غرب دارفور ، كانت الأرض مخضرة تماما وكل المحاصيل إكتمل نضجها وبدأ الناس الذين زرعوا باكرا في جني محاصيلهم في دعة وحبور ، فخرجت من المطار مباشرة ، وامتطيت عربة لاندكروزر ذاهبة الى محلية سرف عمرة في ولاية شمال دارفور تحمل اربعين راكبا بعفشهم ، الطريق كان طويلا بعض الشئ وانا أغادر ( داراندوكا) دون أن أدخلها لألحق بناظر عموم قبيلة البني حسين الراحل الجدي آدم حامد ، الذي زاده الله بسطة في الجسم والعقل فساد قومه ( سمع وشوف ) – فقد رحل عن دنيانا قبل الحرب بقليل – وفي سرف عمرة كان هناك سوق كبير ، يأمه الناس من كل حدب وصوب ، وتترامى على أطرافة شوايات المناصيص ( شيةجمر لا تقاوم ) ، المئات الخراف والعشرات الثيران تذبح في هذا السوق وقبيل المغيب لن تحصل على كيلو جرام واحد من اللحم ، فقد أتى عليه سكان سرف عمرة وما جاورها من المحليات بغرب وشمال دارفور ، بل ان بعض عربات الدفع الرباعي تأتي من دولة تشاد وأخرى من أفريقيا الوسطى ، يبيعون ويشترون ويأكلون ويشربون وكل مبتهج ضاحك، الا قاتل الله من أشعل الحرب في بلادنا .
غادرت هذه البهجة في اليوم التالي اذ كانت السلطات تمنع السفر ليلا ، فأواني احد تجار السوق في منزله الفخم بسرف عمرة وشملني بكرمه الفياض وبعيد الإفطار الصباحي في اليوم التالي، جاءت العربة المتجهة الى محلية السريف وهي مقصدي أمام منزل التاجر وبها مقعد أمامي خالي مخصص لي ، فركبت معهم وودعته وهو يدعو لي بالسلامة وقد دفع قيمة تذكرتي فشكرته وفي شخصه قدمت خالص شكري لقبيلة البرتي التي ينتمي اليها.
في الطريق الى السريف حاضرة البني حسين وهم عرب أقاح تمددت الأرض مخضرة فسألت السائق بقولي: هل هذه مزرعة شخص ما؟ فقال لي : لا ده كلو قايم بروس، ده بطيخ محلي، باكلوا الإبل ومن روثهم في الأرض تخرج البذور لتعيد الدورة الزراعية من جديد كل عام ، دهشت وانا أرى مساحات واسعة مغطاة بالبطيخ الناضج الحلو، وبعد عشر دقائق توقفنا بمحازاة راكوبة ضخمة بها صانعات الشاي والأطعمة ، وهنا أتاني السائق بصحن كبير به بعض البطيخ الناضج ولكنه كان أبيض اللون فتوجست منه بعض الشئ ، خاصة وان الإبل هي التي زرعته بروثها كما قال ، ولكنني مع اول قطعة استسغته وأتيت على الصحن بكامله وكان كل ركاب العربة ينظرون إلي ويضحكون ثم قال شيخ كبير : ياولدنا يا ود الخرطوم ، البطيخ ده إسمو ( كسرو جرا ) أطعم بطيخ في الدنيا ، ونحن نلمو بعد الخريف في البيوت ونشربو مويتو في الصيف ونعملوا منو الملاح والعصيدة كمان .
دخلنا السريف فوجدت الناظر قد غادرها الى جبل عامر لحل مشاكل المعدنين الاهليين والتي غالبا ما ينتح عنها موت البعض او إصابتهم بجروح خطيرة نتيحة انتشار السلاح بصورة مزعجة ، فطلب مني الاستاذ إسماعيل آدم أن أزور قريته ( آيبو ) في الجنوب الشرقي من السريف ويقع خلفها جبل نحل وهو أيضا ملئ بالذهب ولكنه يحتاح لآلات ثقيله فتركه المعدنون الأهليون واتجهوا صوب جبل عامر ( الترابي ).
بت ليلتي في قرية آيبو وتعلمت أن أتناول إفطاري بعيد صلاة الصبح ، ومن ثم يخرج كل أهل القرية للزراعة ، ويبقى فيها الأطفال والفتيات وكبار السن من الرجال والنساء فقط، فخرجت معهم الى حواكيرهم ومزارعهم ورأيت الارض تنبت دخنا ووعدا وتمني.
وفي وسط سيقان القمح رأيتها، إنها الحاجة مريومة إمرأة تجاوزت الستين عاما ولكنها رغم ذلك قوية بإيمانها وحبها لوطنها الصغير قرية ايبو بمحلية السريف بني حسين بشمال دارفور فهي لاتلجأ للاغاثة ولاتعرف النزوح ومغادرة الديار ولدت وتربت في قريتها الصغيرة التي لاتكاد تظهر في خريطة السودان الجغرافية وقد لاتكونون قد سمعتم بها اصلا ’ ولكني ذهبت اليها في مكانها ورافقتها الي حيث العزة والكرامة .. حقلها الخصيب في وديان دارفور حيث الدخن الذي به تسير الحياة وتقام الافراح ويواسي اهل ايبو في الاتراح وبدونه لاتكون حياة الدارفوريين ابدا .
الحاجة مريومة وبناتها وهن ليس بالضرور بناتها نسبا فكل بنيات الفريق بناتها هكذا قالت لي وابانت انها في كل عام عند هطول الامطار تقوم برفقة البنات والنساء في القرية بتنظيف الارض واعدادها للزراعة بواسطة اله بسيطة تسمى الجراية ومن ثم ترش بذور الدخن وتتوالى عملية رعاية الحقل (المخمس او المخمسات ) والواحد يعادل واحد فدان بالتنظيف الدوري ويسمى الحش – اي حش الحشائش المتطفلة الي ان يبلغ المحصول مرحلة الحصاد فتأتي النساء ويقمن في الحقل لاسبوع او اكثر ومن ثم يقمن بعملية ( دق العيش ) يدويا اذ لاتوجد اية الآت زراعية ولا كهرباْ ولاصنابير مياه فقط مايهب به الرحمن الرحيم من امطار وسيول ووديان .
واكدت الحاجة مريومة بأنهن عقب الحصاد والذي جاء وفيرا هذا العام بأن كل أم تشرع في الاعداد لزواج بنتها او ابنها او ختانهم فقد فاض الزرع والضرع وابتهج الكل فلما لايمتد الفرح ليشمل العرسان و( أولاد وبنيات الطهور ) واضافت ان كل القرية عقب الحصاد تلبس الجديد في الثياب والاحذية وتجدد القطاطي من الداخل وتبتاع المتزوجات ( الحلل ) الملونة وهي الزينة الاولى في المنطقة مؤكدة ان كل امرأة ليس لديها ما لايقل عن خمسة عشرة (كورة او حلة ) داخل جدران قطيتها فأنها لاتعد امرأة كاملة وعلى زوجها ان يأتي لها بضرة فورا .
واردفت انهن يتزين بالكحل والخمرة والدلكة كسائر نساء السودان غير انهن لايلبسن الذهب بل السوميت وهو حجر كريم مائل للبياض والاصفرار ويبلغ سعر العقد منه الاربعة الاف جنيه سوداني وتلبسه المرأة ويمتدمن رقبتها حتى اخمص قدميها وهمست بأن الرجال يحبون المرأة التي تلبسه في المناسبات .
وعن انتاجها السنوي من جوالات الدخن قالت الحاجة مريومة انها تنتج مابين 25 الي 30 جوالا لوحدها وباقي النساء يكون انتاجهن في هذه الارقام او يقل قليلا واشارت الي ان معظم الرجال لايشاركون في عملية الزراعة او الحصاد ويكتفون بمهمة حمايتهن من اي طارئ انسانا كان او حيوانا بريا متوحشا، وضحكت وقالت ( كلو في النهاية لأبو العيال ) .
وعن المحاصيل الاخرى قالت الحاجة انهن يزرعن البطيخ والتبش خارج الحقل ويتركنه للغاشي والماشي مؤكدة ان ابقار القرية تعلف قصب الدخن بشراهة ويزيد انتاجها من اللبن ثم مازحت الحاجة بقولي ان كانت تحب القنوات التلفزيونية او السينما فسألتني من الذي صنعها فقلت الخواجات فردت بقوة ( اعوذ بالله من حاجات الكفار دي) .
يتبع ..
سفر القوافي محمد عبدالله يعقوب حكايات من دارفور .. بطيخ الإبل .. ومناصيص سرف عمرة .. ومريومة وبناتها أقوى من منظمة الأمم المتحدة !!


