. في قاعة مليئة بأضواء الكاميرات وهمس الدبلوماسيين، وقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب متحدثا بكلمات مفعمة بالثقة والعزم حين كشف النقاب عن طلب شخصي تلقاه من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للتدخل “بشكل حاسم” لإنهاء الحرب في السودان. جاء هذا الإعلان خلال منتدى استثماري جمع بين مسؤولين أمريكيين وسعوديين في واشنطن، حيث وصف ترامب الأزمة السودانية بأنها “فوضوية وخارجة عن السيطرة”، معترفًا في الوقت ذاته بأنه لم يكن يخطط أصلاً للانخراط في هذا الملف الشائك. هذا المشهد لم يكن مجرد حدث عابر، بل كان تتويجًا لمسار دبلوماسي معقد، تجتمع فيه خيوط التاريخ والجيوسياسي والمصالح المتشابكة، في قضية تمس مصير واحد من أكثر بلدان العالم ثراءً بالموارد وأكثرها تعقيدًا من الناحية السياسية.
إن الخلفية التاريخية للعلاقات الأمريكية السعودية تشكل إطارًا أساسيًا لفهم هذه المبادرة، فمنذ اتفاق القاهرة بين الملك عبد العزيز والرئيس روزفلت عام 1945، ظلت العلاقة بين البلدين تقوم على مبدأ “النفط مقابل الأمن”. لكن هذه العلاقة شهدت تقلبات حادة في العقد الأخير، خاصة مع صعود ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي قاد سياسة خارجية أكثر جرأة، بدءًا من الحرب في اليمن ومرورًا بأزمة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي، وصولاً إلى التقارب الاستراتيجي مع إسرائيل في إطار اتفاقيات إبراهيم. هذه التحولات جعلت من الرياض شريكًا لا غنى عنه لواشنطن في ملفات الشرق الأوسط، لكنها في الوقت نفسه حولتها إلى طرف مؤثر في نزاعات المنطقة، بما فيها الأزمة السودانية.
المشهد الجيوسياسي الحالي في السودان لا يقل تعقيدًا عن خلفيته التاريخية، فالبلد الذي كان يومًا منارة للأمل ليكون سلة غذاء أفريقيا، أصبح اليوم ساحة للحرب بالوكالة، حيث تتداخل المصالح وتتصارع الاستراتيجيات. فالسودان ليس مجرد دولة تمزقها الحرب، بل هو بوابة إفريقيا على البحر الأحمر، وجسر بين العالم العربي وإفريقيا جنوب الصحراء، ومخزون هائل من النفط والذهب والموارد المعدنية الثمينة ومساحات شاسعة وموارد مائية تجعله مطمعًا للقوى الدولية. في هذا الإطار، تأتي مبادرة ترامب وبن سلمان كجزء من جهود “المجموعة الرباعية” التي تضم إلى جانب البلدين كلًا من الإمارات ومصر، لكن هذه المجموعة واجهت رفضًا رسميًا من الحكومة السودانية، التي رأت في تشكيلها تجاوزًا للإطار الأممي ومحاولة لفرض وصاية خارجية.
ما حدث بعد إعلان ترامب لم يكن سوى فصل جديد من فصول الأزمة، فالتصريحات الأمريكية تلتها تحركات دبلوماسية مكثفة، لكنها اصطدمت بواقع مرير. ففي يناير 2025، أعلن وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن أن قوات الدعم السريع ارتكبت إبادة جماعية، قائلاً: “الولايات المتحدة ملتزمة بمحاسبة المسؤولين عن هذه الفظائع”. كما فرضت واشنطن عقوبات على قائد الدعم السريع وسبع شركات تابعة للمليشيا في الإمارات، في خطوة هدفت إلى الضغط على دقلو وحلفائه. لكن هذه الإجراءات لم تكن كافية لتحقيق اختراق، بل زادت الأمور تعقيدًا.
شهدت التطورات الأخيرة تصعيدًا خطيرًا مع تحذيرات مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك من أن السودان يعيش “حربًا بالوكالة للسيطرة على موارده الطبيعية”، مشيرًا إلى أن سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر تزامنت مع “ارتكاب جرائم واسعة النطاق، تشمل الإعدامات على أساس عرقي، والاغتصاب الجماعي، والخطف”. هذه التصريحات لم تكن مجرد إدانة أخلاقية، بل كشفت عن بعد جديد في الحرب، حيث أصبحت الموارد الطبيعية مثل الذهب والأراضي الزراعية وقودًا لحرب لا تهدأ. كما أن تصريحات القوات المسلحة السودانية التي اتهمت دول الجوار بالمشاركة في قتل المواطنين إلى جانب المليشيا، ودعوتها مجلس الأمن إلى تصنيف قوات الدعم السريع كمنظمة إرهابية، جعلت من أي مفاوضات سياسية عملية شبه مستحيلة. هذا الواقع المرير يطرح تساؤلات عميقة حول جدوى المبادرات الدبلوماسية بدون ادانة دويلة الشر واستسلام مليشيا الدعم السريع.
في خضم هذه التعقيدات، تبرز التحليلات الاستراتيجية لتكشف عن أبعاد أعمق للمشهد. فمن ناحية، تسعى السعودية إلى تعزيز موقعها كقائد إقليمي من خلال لعب دور الوسيط في الأزمة السودانية، خاصة أن حل الصراع يرتبط ارتباطًا وثيقًا بأمنها القومي، نظرًا للموقع الاستراتيجي للسودان على الجانب الآخر من البحر الأحمر. كما أن تحسين صورة ولي العهد محمد بن سلمان على الساحة الدولية يعد أحد الدوافع الخفية، خاصة بعد التقارير التي اتهمته بتورطه في اغتيال الصحفي جمال خاشقجي. ومن ناحية أخرى، فإن الولايات المتحدة، تحت قيادة ترامب، تسعى إلى إعادة تموضعها في المنطقة، مستفيدة من العلاقات الشخصية بين ترامب وبن سلمان لتحقيق اختراقات دبلوماسية تعزز من مصالحها الإستراتيجية. لكن هذه المصالح تتقاطع مع واقع معقد على الأرض، حيث ترفض قوات الدعم السريع التخلي عن سلاحها، بينما يؤكد الجيش السوداني أن هدفه هو القضاء على ما وصفه بالميليشيات المتمردة لما ارتكبته من جرائم ضد الإنسانية من قتل وتدمير واغتصاب، مما يجعل من أي مفاوضات سياسية في ظل عدم استسلام قوات الدعم السريع عملية غير مجدية.
اليوم، وبينما يراقب الشعب السوداني هذه التطورات عن كثب، يبقى السؤال الأكبر: هل يمكن لمبادرة سياسية أن تنجح في بيئة يسيطر عليها السلاح؟ تجربة الحرب في اليمن، التي قادها محمد بن سلمان عندما كان وزيرًا للدفاع، تظهر أن الحلول العسكرية غالبًا ما تؤدي إلى حروب استنزاف طويلة. كما أن هذه الامانة الذي يتحملها الجيش السوداني على استمرار القتال حتى استعادة الدولة لسيادتها وكرامتها امل ينتظره كل الشعب السوداني . هذا الموقف بوضوح بكل صارحة “لا يمكن الحديث عن السلام في ظل الإبادة والقتل الجماعي”. في النهاية، تبقى المعادلة صعبة: إما أن يكون السلام قادرًا على حفظ كرامة السودانيين ويوحد أراضيهم، أو يكون سلامًا هشًا يؤسس لمرحلة جديدة من الفوضى، حيث تظهر القوات المسلحة والمقاومة الشعبية كعامل حاسم في تقرير مصير السودان وليس سلاما مفروضا يقتل امل الشعب للقضاء على اخر متمرد في مليشيا الدعم السريع وادانة دويلة الشر.


