تتجاوز ممسكات الوحدة الوطنية في السودان المفاهيم التقليدية التي تُختزل في الجغرافيا أو التعدد الثقافي، لتقوم على أسس أكثر عمقًا تتعلق بطبيعة الدولة، ونوعية القيادة، والوعي الجمعي للمجتمع.
و في تقديرى أن هذه الممسكات تشمل الثقة في الدولة وفي مكونات الشعب السوداني ، حيث تُعد الثقة بين المواطن والدولة الأساس الحقيقي للوحدة الوطنية، فلا توجد وحدة بلا شعور بأن الدولة تعمل للجميع، وبأن كل مكوّن سوداني محل احترام واعتراف كامل. وكلما زادت الثقة بين الناس ومؤسسات الحكم، زادت قدرة الدولة على النمو والاستقرار.
كذلك قيادة تمثل المصالح العليا للدولة ، فإن الوحدة لا تتحقق بقيادات رمزية أو منقسمة، بل تحتاج إلى قيادة وطنية تمتلك رؤية، وتضع مصلحة السودان فوق كل ولاء آخر ؛ ذلك ان القيادة التي تُوحِّد لا تعتمد على الإكراه، وإنما على الشرعية، والنزاهة، وخدمة البلاد لا خدمة الأشخاص أو المحاور.
كما نجد ان وجود حكومة تعبّر عن إرادة الشعب
حكومة شرعية، منتخبة أو متوافق عليها، تُعد ممسكًا أساسيًا للوحدة، لأن الناس يلتفون حول ما يشعرون بأنه يمثلهم.
ووفقا لما طرحته فإن الدولة التي تجسد إرادة المواطنين تستطيع أن تُنهي الصراع وتجدد العقد الاجتماعي.
كذلك من المهم وجود معارضة وطنية مسؤولة
وهو لا يعني الانقسام، بل هو ضمان للوحدة إذا كانت حريصة على الدولة لا على إسقاطها ، وحريصة على المؤسسات لا على تدميرها، و ملتزمة بالدستور ، كما تحترم تداول السلطة. المعارضة الوطنية تمثل صمام أمان لمنع الاستبداد ومنع الفوضى في الوقت نفسه.
حضور الوعي الجمعي بحقوق المواطنة أيضا مهم، كما أن الوحدة الحقيقية تبدأ من وعي الناس بأنهم متساوون في الحقوق و الواجبات و تحت مظلة واحدة هي الوطن.
فكلما زاد الوعي بالمواطنة، قلت الانقسامات الجهوية والقبلية والعرقية.
يضاف لما سبق ، ان الوطنية تُقاس بمدى اعترافك بالآخر هذه الرؤية العميقة ، ذلك ان وطنية الإنسان تُقاس بقدر احترامه واعترافه بمواطنة الآخرين، مهما اختلفوا عنه.
هذا هو جوهر الوحدة السودانية الحديثة:وحدة تقوم على الاعتراف، لا الإقصاء، وعلى الشراكة، لا الهيمنة.
أيضا من الأهمية بمكان وجود قيادة تخدم الشعب ولا تخدعه وتكون قيادات صادقة، لا تتاجر باسم الوطن، ولا تستغل الناس أو تستغل الرموز الوطنية لتحقيق مصالحها.
وعليه، فالقيادات الشفافة تحافظ على نسيج المجتمع وتمنع الانهيار الأخلاقي والسياسي.
وتوفر علاقات متميزة مع دول الجوار وحسن الجوار ليس سياسة خارجية فقط، بل ممسك داخلي أيضًا.
فنجد أن السودان مرتبط إثنيًا وثقافيًا واجتماعيًا بدول محيطة به، وأي توتّر مع الجوار ينعكس مباشرة على الداخل، والعكس صحيح.
يضاف الى ذلك ، تعزيز قيم الأخوة الإنسانية كل ما يقرّب بين البشر يعزز الوحدة الوطنية في الداخل، لأن المجتمع الذي يتبنى قيم التسامح والإنسانية يكون أكثر استعدادًا لقبول التنوع الداخلي.
و الانفتاح على العالم وليس الانكفاء، كذلك هو مهم .. الانفتاح على الحضارات والتجارب والأفكار يوسع أفق المجتمع ويقوي وحدته، بينما الانغلاق يخلق صراعات داخلية بسبب ضيق الأفق واحتكار الحقيقة.
وعود على بدء ، فإن ما يميّز ما طرح اعلاه يحمل الخلاصة الفكرية لرؤية واضحة ، وتعبّر عن جيل جديد من التفكير الوطني، يقوم على أن:الوحدة الوطنية ليست نتيجة شعارات، بل نتيجة دولة عادلة، وقيادة رشيدة، ووعي مجتمعي، وعلاقات إنسانية واسعة. هذه الرؤية تتجاوز كل الخطابات القديمة التي اعتمدت على العاطفة، لتؤسس لوحدة عقلانية تقوم على: الثقة، والشرعية، والمواطنة، والاعتراف المتبادل، والانفتاح.


