35.4 C
Khartoum
الإثنين, مارس 16, 2026

ظاهرة الاختفاء القسري خلال حرب السودان : التحديات ومتطلبات المساءلة

إقرأ ايضا

د. رجاء عبدالله حمد الزبير

7.ديسمبر.2025

شهد السودان خلال السنوات الاخيرة تزايداً مقلقاً في حالات الإختفاء
القسري لاسيما مع إندلاع الحرب واتساع نطاقها وما رافق ذلك من
انهيار في منظومات الحماية القانونية وتراجع فعالية مؤسسات
الدولة في إنفاذ القانون.
وقد أفرزت بيئة النزاع المسلح أوضاعاً أمنية مضطربة سمحت بانتشار
ممارسات الاحتجاز السري وانتزاع الأشخاص قسراً من محيطهم،وحرمان
أسرهم من أي معلومات عن مصيرهم أو أماكن وجودهم ،وهي أنماط سلوكية
لطالما اقترنت بالنزاعات المسلحة وانفلات السيطرة الامنية ،ومع غياب
الانضباط القانوني ،وتعدد الكيانات المسلحة داخل البلاد ،تحول الاختفاء القسري إلى ظاهرة متكررة تُمارس دون رادع أو مساءلة،مما
أسهم في خلق حالة من الخوف المجتمعي العميق ،وترك آثاراً إنسانية بالغة
القسوة على الضحايا وذويهم ،وقد ساهمت هذه البيئة في تضخم عدد
البلاغات المقدمة إلى الجهات الوطنية والدولية ،لتصبح القضية إحدى
أبرز التحديات القانونية والإنسانية خلال فترة الحرب ،الأمر الذي يستلزم
بحثاً متعمقاً لطبيعة وحدود مسؤولية الدولة في ظل التزاماتها الدولية.
إنضم السودان في عام 2021،إلى إتفاقية حماية جميع الاشخاص من
الإختفاء القسري مع تحفظه على الفقرة (1) من المادة (42)،المتعلقة
بإجراءات التحكيم،وعرض النزاعات على محكمة العدل الدولية،إلا أن
هذا التحفظ لا يمس الالتزامات الجوهرية المفروضة على الدولة
بموجب الاتفاقية وفي مقدمتها منع الاختفاء القسري وتجريمه والتحقيق

فيه ومساءلة مرتكبيه،وقد عرفت المادة (2) من الإتفاقية الإختفاء
القسري بانه الاعتقال أو الإحتجاز أو الإختطاف أو أي شكل من أشكال
الحرمان من الحرية يتم على أيدي موظفي الدولة ،أو أشخاص يعملون
بإذنها أو دعمها أو موافقتها.
ويثُار في هذا السياق سؤال قانوني محوري بشأن ما إذا كانت حالات
الاختفاء المنسوبة إلى قوات الدعم السريع بعد تمردها وانفصالها
عن السلطة الرسمية يمكن اعتبارها إختفاءً قسرياً بمفهوم الإتفاقية
أو أنها تندرج ضمن فئة الانتهاكات التي لا تنسب مباشرة إلى الدولة.
فمن المعلوم أن قوات الدعم السريع قد خرجت عن سيطرة الحكومة
وبالتالي فقدت صفتها كجهاز من أجهزة الدولة، ولم يعد أفرادها
من موظفي الدولة أو ممن يعملون بموافقتها أو بتفويضها
مما يحد من إمكانية وصف أفعالهم بأنها حالات اختفاء قسري
تتحمل الدولة مسؤوليتها المباشرة .
غير أن ذلك لا ينفي الأفعال التي ترتكبها هذه القوات تصنف في قائمة الجرائم
الخطيرة بموجب القانون الدولي ،لترقى إلى جرائم ضد الإنسانية ،بما في
ذلك نمط الاختفاء القسري بوصفه جريمة قائمة بذاتها وفق السوابق
الدولية والقوانين العرفية.
وعلى الرغم من أن حالات الاختفاء التي ترتكبها الجماعات المسلحة
المتمردة لا تندرج ضمن المسؤولية التعاقدية للدولة وفق الاتفاقية
إلا أن السودان يظل ملزماً التزاما إيجابياً باتخاذ جميع التدابير
الممكنة لحماية المدنيين ،
وملاحقة الجناة ،وتفعيل آليات البحث
عن المختفين،كما تحظر المادة الاولى من الاتفاقية التذرع بأي
ظرف استثنائي، بما في ذلك النزاع المسلح،لتبرير الاختفاء القسري
وتلزم المادة الرابعة الدولة بإدراج جريمة الاختفاء في تشريعاتها الوطنية
وضمان مساءلة مرتكبيها .
وتجدر الإشارة إلى أن السودان لم يعلن قبوله باختصاص
اللجنة المعنية بحالات الاختفاء القسري في تلقي وفحص البلاغات
الفردية بموجب المادة (31) من الاتفاقية الامر الذي يحول دون قدرة
الضحايا أو أسرهم على تقديم شكاوى مباشرة للجنة ،ويقصر
المساءلة الدولية على الإجراءات التي تُتخذ في إطار
التعاون مع الدولة.
وفي حال تقاعس السلطات الوطنية عن القيام بواجبها في التحقيق
يمكن للجنة المعنية بحالات الاختفاء القسري ،استناداً للمادتين
(33) و(34) إصدار ملاحظات وتوصيات للسودان بشأن التحقيق
والمساءلة وضمان الحماية ،خاصة في ظل تلقي اللجنة الوطنية
للتحقيق برئاسة النائب العام آلاف البلاغات المتعلقة بالمختفين
خلال العام المنصرم ،وهو رقم يكشف عمق المأساة الإنسانية التي
خلفتها الحرب.
ويُظهر القانون الجنائي السوداني لسنة 1991،قصوراً واضحاً في استيعاب
المفهوم الدولي للاختفاء القسري ،إذ يكتفي بتجريم الاعتقال غير المشروع
بموجب المادة (165)،ويشدد العقوبة إذا وقع الإعتقال بصورة سرية
أو بهدف إنتزاع إعتراف، إلا أن هذه النصوص لا ترقى إلى مستوى
التعريف الوارد في الاتفاقية ولا تعكس خطورة الفعل كجريمة
ضد الانسانية،أما قانون الإجراءات الجنائية يتضمن مجموعة من
الضمانات المهمة مثل إشتراط صدور أمر القبض كتابة وتضمينه
لسبب القبض،وإلزام الضابط المسؤول بابلاغ النيابة خلال أربع وعشرين
ساعة،ومنح القاضي أو وكيل النيابة سلطة تفتيش اماكن الاحتجاز .
ورغم مواءمة هذه النصوص للمادة “17” من الاتفاقية،فإن فعاليتها
تبقى محدودة في ظل غياب سيطرة الدولة على بعض المناطق من البلاد.
ويتضح مما سبق أن عدم انطباق وصف الاختفاء القسري ،في مفهومه
الاتفاقي الضيق ،على أفعال القوات المتمردة لا يعفي الدولة من واجبها
في حماية المدنيين والبحث عن المختفين وتقديم الدعم لأسرهم
والتحقيق في جميع البلاغات ، كما يتعين على الدولة تعزيز التعاون
مع لجنة الامم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري ،وتطوير
تشريعاتها الوطنية بما يتماشى مع الاتفاقية ،
وتوسيع صلاحيات
لجان التحقيق الوطنية بما يضمن وصولها الى جميع المناطق المتأثرة
بالنزاع ،ومنحها سلطة تحريك الدعوى الجنائية تلقائياً دون الحاجة
لتقديم بلاغ او شكوى في جرائم الاختفاء القسري،فضلاً عن
تعزيز التعاون مع المنظمات الدولية المختصة.
وتبقى حماية الحق في معرفة الحقيقة ركناً جوهرياً من أركان العدالة
الانتقالية ،
وشرطاً ضرورياً لتحقيق السلام ومنع الافلات من العقاب.
كما أن معالجة ظاهرة الاختفاء القسري في سياق الحرب تتطلب
إرادة سياسية وتشريعية وقضائية متكاملة ،إضافة الى تعاون وثيق مع
المنظومة الدولية لحقوق الانسان حتى لا تتحول هذه الجريمة إلى
واقع اعتيادي يهدد أمن المجتمع ومستقبل الدولة .
ولا يمكن للسودان تجاوز هذا التحدي دون تبني إطار شامل يضمن
كشف مصائر المختفين ،
ومحاسبة المسؤولين ،
وإعادة الاعتبار للضحايا
وذويهم،تحقيقاً للعدالة وترسيخاً لسيادة حكم القانون .

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة