29.4 C
Khartoum
الجمعة, مارس 13, 2026

الاستقلال السبعون: وطنٌ يُجدد عهده بالحرية كتبت :محاسن عثمان نصر

إقرأ ايضا

في الذكرى السبعين للاستقلال، نبعث تهنئةً تليق بتاريخ وطنٍ علّمنا أن الحرية لا تُمنَح، بل تُنتزع، وأن السيادة ليست ذكرى تُحتفل بها، بل مسؤولية تُحمل كل يوم. سبعون عامًا مرّت، لكنها لم تُطفئ جذوة المعنى، بل كشفت عمقه؛ فالوطن الذي صمد أمام الريح، لا يزال يعلّم أبناءه كيف يقفون، وكيف ينهضون حين تثقل الخطى.

لا يعرف معنى الاستقلال حقًّا إلا من عرف نقيضه، إلا من عاش تحت وطأة المستعمر البغيض، وتجرّع شعور الغربة داخل أرضه، وعاني من ويلات النزوح واللجؤ. في مثل هذا اليوم من العام 2024، كانت ولاية الجزيرة تكتب سطرًا موجعًا من ذاكرتها؛ كنّا نروح ونغدو تحت ثقل الاحتلال، نحلم بصباحٍ تشرق فيه شمس الحرية، ونعدّ الأمل بأنفاسٍ متعبة. لم تكن أحاديثنا خفيفة، ولا ضحكاتنا صافية، كان الزمن نفسه يضغط على الصدر، وتبدو الأيام كأنها تبحث عن مخرج.

وكانت الذكرى التاسعة والستون للاستقلال مختلفة، ثقيلة بالأسئلة، صادقة في وجعها. جاءت ونحن وقتها نرزح تحت صورٍ جديدة من الاستعمار، من غزاة مجردين من الإنسانية، فاستدعينا دروس الاستقلال بعمق، لا كأناشيد محفوظة، بل كبوصلة. أدركنا يومها أن الاستقلال ليس لحظة عابرة في تقويم الدولة، بل مسارٌ طويل من الصبر والوعي، وأن الراية لا تُرفع مرةً واحدة، بل تُصان كل يوم.

وفي قلب هذا المعنى تقف القوات المسلحة والقوات المساندة لها، سورًا منيعًا حين تشتد العواصف، ويدًا حانية حين ينكسر الناس. هم أبناء هذا التراب، يعرفون وجعه كما يعرفون اسمه، ويحرسون حدوده لأنهم يحرسون ذاكرتهم.
ونستذكر بطولات الرعيل الأول، جيل البطولات الذي لم يتعلّم الوطنية من الشعارات، بل نقشها بالفعل والتضحية. جيلٌ آمن بأن الوطن أمانة، وبأن السيادة تُحمى بالثبات قبل السلاح.
التحية لكل من فاضت روحه في سبيل الوطن، فصار حضوره معنى لا يغيب. التحية لمن اختاروا الطريق الأصعب، وصبروا حين ضاق الصبر، وثبتوا حين اهتزّ كل شيء. التحية لرجالٍ ونساءٍ حملوا الوطن في قلوبهم قبل أكتافهم.

غير أن الاستقلال الذي نحتفل به اليوم، لا يكتمل إلا بالعدل. استقلالٌ تُصان فيه كرامة الإنسان، ويُمنح فيه كل مواطن حقه في الخدمات، دون تمييز أو انتظار. استقلالٌ تُبنى فيه المدارس كما تُبنى المتاريس، وتُحرس فيه المستشفيات كما تُحرس الحدود. استقلالٌ يترجم البطولة إلى تنمية، والتضحية إلى حياةٍ كريمة.

في عيد الاستقلال السبعين، نرفع الراية ونرفع معها العهد أن نبقى أوفياء لدماء الشهداء، وأن نثق في قواتنا، وأن نؤمن بأن هذا الوطن، مهما تعثّر، لا يسقط؛ لأن في جذوره جيلًا علّمه الوقوف، وفي سمائه شمس حريةٍ لا تغيب.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة