مدني : عبق نيوز
محاسن عثمان نصر
نجاح الموسم الصيفي بمشروع الجزيرة يفتح نافذة أمل واسعة للاقتصاد الزراعي، ويعيد للحقول صوتها بعد صمتٍ طويل. أعلن المهندس إبراهيم مصطفى، محافظ مشروع الجزيرة، أن النتائج الإيجابية للموسم الزراعي الصيفي انعكست مباشرة على الأسواق، مسهمةً في انخفاض أسعار المحاصيل داخل الولاية والولايات المجاورة، ومؤكدة أن تعافي الزراعة كفيل بتليين قسوة المعيشة واستعادة توازن السوق.
المؤتمر الصحفي الذي نظمته إدارة المشروع كشف ملامح موسم استثنائي، وُصف بموسم التحدي، بعدما تعرض المشروع لتخريبٍ ممنهج أفقده كامل آلياته الزراعية ومحركاته. الإرادة المؤسسية، غير أن، تجاوزت آثار الدمار، وأعادت ترتيب المشهد الزراعي بروح جماعية أعادت الثقة للأرض ولمن يزرعونها.
إشادة واسعة وجّهها محافظ المشروع لمجلس السيادة ومجلس الوزراء وحكومة ولاية الجزيرة ومنظمات العون الإنساني، تقديرًا لدورهم في توفير معينات الموسم الصيفي. تلك الجهود أثمرت عن زراعة نحو 850 ألف فدان، إلى جانب توفير آليات جديدة أسهمت في إنجاح الموسم وتحقيق وفرة إنتاجية انعكست استقرارًا في الأسواق وتراجعًا ملموسًا في الأسعار.
خطط الموسم الشتوي وضعت القمح في صدارة الأولويات، حيث يستهدف المشروع زراعة أكثر من 250 ألف فدان. محافظ المشروع أشار إلى عزوف بعض المزارعين عن زراعة القمح بسبب الارتفاع الكبير في تكاليف ومدخلات الإنتاج، مؤكدًا وضع خطة تمويل محكمة عبر إدارة المشروع وفق معايير واضحة. القمح، بحسب حديثه، لم يعد مجرد محصول، بل ركيزة استراتيجية للأمن الغذائي، تتطلب دعمًا مباشرًا من الحكومة الاتحادية، خاصة في ظل اعتبار التمويل أكبر التحديات التي تواجه المزارعين.
ملف الري شهد تحولًا نوعيًا بعد تولي إدارة مشروع الجزيرة مهامه داخل المشروع، في خطوة هدفت إلى تقليل الظل الإداري ورفع كفاءة الأداء. المحافظ أكد قدرة المشروع على إدارة الري بكفاءة عالية، مبينًا استيعاب 1200 مهندس وفني من وزارة الري، إلى جانب توفير 118 آلية لخدمة أقسام المشروع البالغ عددها 21 قسمًا.
عمليات التطهير حققت تقدمًا كبيرًا باكتمال العمل في 485 ترعة و39 ميجر، تمثل نحو 85% من مساحة المشروع، مع تسجيل تجربة إدارة الري خلال السنوات الست الماضية نجاحات واضحة أسهمت في استقرار العمليات الزراعية وتحسين انسياب المياه.
خطة الإصلاح المؤسسي انطلقت على أساس إنفاذ الحوكمة، مستهدفة تنظيم العلاقة بين إدارة المشروع والمزارعين، وتحديد دور الدولة في الحيازات، وحسم التعديات على ممتلكات المشروع. المحافظ أوضح اكتمال إجراءات الحوكمة بنسبة 80%، مع توجه الدولة لتعيين مفوض لمشروع الجزيرة لتنفيذ القوانين واسترداد الأصول، مؤكدًا عدم التفريط في أي متر من أراضي المشروع.
الرؤية المستقبلية للمشروع تشمل إدخال شركات متخصصة في الري الانسيابي عقب اكتمال الدراسات الفنية للترع الرئيسية، وزيادة المساحات المزروعة، والاستفادة القصوى من حصة المشروع البالغة 6 ملايين متر مكعب من المياه، يُستخدم منها حاليًا نحو 2 مليون متر مكعب فقط. الدورة الزراعية، إلى جانب إدخال الثروة الحيوانية ضمنها، تشكل ركيزة أساسية لتحقيق الاستدامة وتعظيم العائد.
جهود وحدة الري برزت بوضوح، حيث أوضح المهندس محمد عثمان العوض، مدير الوحدة، نجاح الإدارة خلال شهرين في إزالة 890 ألف متر مكعب من الإطماء، ونظافة 2255 كيلومترًا من الحشائش، في عملٍ أعاد للمجاري المائية عافيتها وحسّن كفاءة الري.
تقدير خاص ناله مزارعو أقسام المناقل، حيث ثمّن المهندس علي أحمد إبراهيم، مدير الإدارة الزراعية بالمشروع، صمودهم ومواصلتهم للزراعة في ظروف بالغة التعقيد، وزراعتهم لمساحات مقدّرة أسهمت في توفير التقاوي للموسم السابق، مؤكدًا أن المزارع ظل الحارس الأول للأرض، وحائط الصد الحقيقي في وجه الانكسار.
مشروع الجزيرة يمضي اليوم بخطى مثقلة بالتحديات، لكنها ثابتة بالإرادة، ليعيد كتابة حكايته مع الأرض والإنتاج، حكاية تؤكد أن الزراعة حين تُدار بعقلٍ رشيد، تنقذ السوق، وتحمي الناس، وتمنح الوطن أسباب البقاء.


