يشهد غرب السودان تحولاً استراتيجياً حاسماً في موازين القوة، حيث تنتقل العمليات العسكرية من حرب عصابات متقطعة إلى حرب نظامية شاملة تقودها قوات الشعب المسلحة بإرادة حاسمة. تعكس العمليات المنهجية في كردفان ودارفور قدرة راسخة وثقة عميقة في أن القوات المسلحة السودانية تقترب من تحقيق حسم تاريخي ان شاء الله، مدعومة بسيادة جوية كاملة وتخطيط استراتيجي واضح. هذا المشهد، الممتد من الحدود الإثيوبية حتى الصحراء الليبية، يُظهر أن المؤسسة العسكرية هي القوة الوحيدة القادرة على حماية كيان الدولة واستعادة هيبتها في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة.
لم تكن انفجارات نيالا مجرد دوي عابر في حرب طويلة، بل كانت الإعلان الرسمي عن تحول استراتيجي حاسم في موازين القوة. لم تعد المعركة تدور حول السيطرة على أحياء أو تقاسم سلطة، بل تحولت إلى عملية عسكرية منهجية تشهدها الساحات الغربية المترامية، تعكس قدرة راسخة وثقة عميقة بأن القوات المسلحة السودانية تقف على أعتاب تحقيق حسم تاريخي. المشهد اليوم في كردفان ودارفور، بعد أكثر من ألف يوم من الصراع، ليس مجرد تصعيد تكتيكي، بل هو تنفيذ متقن لاستراتيجية واضحة المعالم، تثبت فيها المؤسسة العسكرية، بكل تراثها وخبرتها، أنها القوة الوحيدة القادرة على حماية كيان الدولة واستعادة هيبتها. الثقة في قدرة هذه المؤسسة على إنهاء المعاناة ليست مجرد أمنية، بل هي قناعة تستند إلى حقائق ميدانية ومهارات قيادية فذة تظهر يوماً بعد يوم عبر مساحات القتال الشاسعة من الحدود الإثيوبية في الجنوب الشرقي وحتى الصحراء الليبية في الشمال الغربي.
لقد تجسدت هذه الثقة في التحول النوعي الذي تشهده إقليما كردفان ودارفور، حيث انتقلت العمليات من حرب عصابات متقطعة إلى حرب نظامية شاملة تقودها إرادة حاسمة. استندت الخطة العسكرية إلى مبدأ استباقي ذكي يقوم على “قطع الأطراف لشل القلب”، وهو ما نفذته القوات المسلحة ببراعة لوجستية عالية. بينما كانت الأنظار متجهة نحو العاصمة، كانت آليات إعادة الانتشار والتجهيز تعمل بصمت عبر المسالك الصحراوية التي أتقنها الجيش على مدى عقود. كانت النتيجة مذهلة في فاعليتها: سيادة جوية كاملة حوّلت سماء الإقليمين إلى ساحة سيطرة تامة، حيث تحولت الطائرات المسيرة الحديثة من مجرد أسلحة إلى نظام مراقبة واستهداف متكامل، يلاحق أي تحرك معادٍ بدقة مذهلة. الرقم الذي أعلن عنه مؤخراً – تدمير 246 مركبة قتالية في أسبوع واحد – لم يكن مبالغة، بل كان تعبيراً رقمياً عن سيطرة فعلية غيرت قواعد اللعبة لصالح القوات النظامية بشكل لا رجعة فيه.
على الأرض، تحولت الثقة إلى انتصارات ملموسة تلامس حياة الناس. فعمليات التحرير، كما حدث في قرية “أم قليب” بشمال كردفان، لم تكن مجرد استعادة لنقاط جغرافية، بل كانت عمليات إنقاذ لمئات المدنيين الذين عانوا وطأة الاحتجاز والترهيب. مشاهد الفرح التي أعقبت التحرير، حيث خرجت العائلات من مخابئها إلى النور، كانت أبلغ تصوير لمعنى “النصر” الذي يريده الجيش: تحرير الإنسان واستعادة الأمن له. هذا التقدم المنهجي، الذي بدأ من القلب الاستراتيجي في كردفان لينتقل بشكل مدروس إلى معاقل دارفور، يكشف عن عقلية عسكرية لا تعرف العشوائية، بل تخطط بحساب، وتتحرك بثبات، وتحقّق أهدافها بكل اقتدار. السرعة والدقة اللتان تتم بهما العمليات هما نتاج استخبارات محكمة، وتدريب عالٍ، وإرادة لا تعرف التراجع.
تظهر قوة الحسم بشكل أكثر وضوحاً على الجبهات الحدودية الملتهبة. فعلى الحدود مع إثيوبيا، لم تكن الضربات الجوية الدقيقة التي استهدفت تحركات وتجمعات المشبوهة مجرد رد فعل، بل كانت ضربات استباقية استندت إلى معلومات استخبارية دقيقة، تعكس فهماً عميقاً لطبيعة التهديد. القوات المسلحة، بإداركها التام للخطر الذي تمثله محاولات فتح جبهات جديدة، حوّلت الحدود إلى خط دفاع نشط، حيث تتم مراقبة كل حركة، والرد على أي تهديد فور ظهوره. الرسالة التي أرسلتها تلك الضربات كانت واضحة وصارمة: لا مجال لاستغلال الجغرافيا لتمرير أطماع خارجية، والقوة الجوية والبريّة السودانية قادرة على تأمين كل شبر من التراب الوطني. هذه الثقة بالنفس العسكرية هي التي تحولت إلى رادع فعّال ضد أي محاولة لاستمرار التدخل الخارجي في الشأن السوداني.
وفي الشمال، على الحدود الليبية، أثبتت القوات المسلحة قدرتها على قطع شريان الحياة عن القوات المعادية. لقد حولت اليقظة الاستخباراتية والدوريات النشطة الصحراء الشاسعة من ملاذ آمن للمهربين إلى ساحة محاصرة. عمليات اعتراض وتدمير قوافل الإمداد لم تكن عمليات عسكرية تقليدية فحسب، بل كانت عمليات اقتصادية استراتيجية، تستهدف المنابع التي تغذي استمرار الصراع. استعادة السيطرة على مطار نيالا الاستراتيجي كان نموذجاً لما يمكن تسميته “الحسم الذكي”، حيث تحول مركز قوة للعدو إلى قاعدة للسيادة الوطنية. هذه القدرة على قلب الموازين في أرض المعركة، وتحويل نقاط ضعف العدو إلى نقاط قوة للجيش، هي ما يعزز الثقة في أن الحسم العسكري الشامل ليس مجرد احتمال، بل هو مسار واقعي تسير عليه القوات المسلحة بخطوات ثابتة.
ومع ذلك، فإن مسار الحسم هذا لا يسير في فراغ، بل يواجه شبكة إقليمية معقدة تسعى بكل قوة لإفشاله. فالصراع في السودان تحول، بفعل تدخلات خارجية متعمدة، إلى نموذج صارخ لما يسمى “الغزو بالوكالة”. في قلب هذه الشبكة تقف قوى إقليمية، تتصرف بمنطق القوة والمال، متحدية كل مبادئ السيادة والجوار. الدور الذي تلعبه دولة الإمارات، كما تكشفه تقارير دولية مستقلة مثل تحليلات “مجموعة الأزمات الدولية”، تجاوز كل حدود الحياد ليصبح دعماً عضوياً وممنهجاً للحرب. فهي لا تقدم الأسلحة المتطورة كمنحة، بل كجزء من صفقات مقايضة مع موارد سودانية نهبت خلال فترة سيطرة الميليشيات. هذه العلاقة التجارية القائمة على الدماء تكشف عن أخلاقية سياسية منحطة، حيث تُشترى حياة البشر وتُباع كما في أسواق النخاسة القديمة، لكن بأدوات عصرية وبلا حياء.
ولا تقف المؤامرة عند هذا الحد، فالدول المجاورة تشارك بنصيبها في هذه المأساة. إثيوبيا، الغارقة في مشاكلها الداخلية، وجدت في الأزمة السودانية فرصة للانحراف بالانتباه وتحقيق مكاسب على حساب جارها. فتحت حدودها لتدريب المقاتلين ومرور شحنات السلاح، في سياسة مزدوجة تخفي وراء خطاب الأخوة نية واضحة لإبقاء السودان ضعيفاً. أما تشاد، فتلعب دوراً أكثر تعقيداً، حيث تقدم نفسها كوسيط للسلام بينما تسمح لحدودها بأن تكون معبراً حيوياً للإمدادات الحربية. هذا التناقض بين الخطاب والممارسة يكشف كيف يمكن أن تتحول المصالح الضيقة لأنظمة حاكمة إلى نكبة للشعوب المجاورة.
في مواجهة هذا التحالف الإقليمي المعقد، تبرز قيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان كعامل حاسم في المعادلة. فهذا الرجل لم يكتفِ بدور القائد العسكري التقليدي، بل تحول إلى مهندس استراتيجي يقود الدولة في أصعب لحظاتها. قدرته على تحويل التحديات إلى فرص، وإدارته للحرب بكل أبعادها السياسية والاجتماعية، تعكس حكمة قيادية نادرة. تحركاته بين الجبهات، ومتابعته الميدانية، وخطاباته الموحدة للصفوف، كلها عوامل تضاعف من ثقة الجنود والشعب في النصر. قراراته، مثل الإفراج عن سجناء، ليست مؤشر ضعف، بل هي ذكاء سياسي يوسع القاعدة الوطنية ويعزل المليشيات. البرهان يمثل، في هذه المرحلة، تجسيداً للإرادة الوطنية التي ترفض الانكسار.
الثقة في الحسم تستند أيضاً إلى التماسك المؤسسي المدهش الذي حافظ عليه الجيش السوداني رغم كل محاولات التفكيك. فالقدرة على التخطيط الاستراتيجي طويل المدى، وتنفيذ عمليات معقدة عبر جبهات متباعدة، وتقديم أداء لوجستي متميز، كلها مؤشرات على أن المؤسسة العسكرية لم تكن يوماً مجرد أداة قتال، بل هي عمود فقري للدولة صمد أمام أعاصير عديدة. الضربات الجوية الدقيقة على الحدود، وعمليات التحرير الناجحة في الداخل، والجهود الإنسانية الموازية، كلها تشكل نسيجاً واحداً لعملية وطنية متكاملة، تقودها عقول عسكرية تدرك أن النصر الحقيقي هو الذي يعيد بناء الدولة ولا يكتفي بهزيمة العدو.
في الختام، فإن المشهد العسكري الحالي في السودان لا يعكس صراعاً على السلطة بقدر ما يعكس إرادة وطنية حازمة قررت أن تحسم مصيرها بيدها. الثقة في قدرة القوات المسلحة على تحقيق هذا الحسم ليست مجرد أمل عاطفي، بل هي استنتاج واقعي يستند إلى أداء ميداني متميز، وتخطيط استراتيجي محكم، وقيادة حكيمة تعرف طريق النصر. التحديات الإقليمية، رغم خطورتها وبشاعتها الأخلاقية، لم تكن كافية لثني هذه الإرادة، بل زادتها تصميماً على إثبات أن إرادة الشعوب أقوى من مؤامرات الخارج. القادم من الأيام سيكون شاهدا على فصل جديد في تاريخ السودان، يكتبه رجال رفعوا راية الوطن عالياً، واثقين بأنهم قادرون على تحقيق ما تعهدوا به لشعبهم: أمنًا مستدامًا، وسيادة كاملة، ووطنًا يعود أبناؤه إليه بحقوقهم وكرامتهم سليمة. هذا هو وعد الجيش، وهذه ثقة الشعب، وبهما معاً يُبنى المستقبل.
Post Views: 1
FacebookWhatsAppTwitterانشر


