وهاهو شهر رمضان المبارك قد تدانت ايامه ، وكان صغارنا عقب الإفطار الرمضاني في صيام العام الماضي ، يقومون بالجري واشعال النيران في ( السلك اللماع ) والعبث ب( شراره ) المتوهج وهم يرددون أهزوجة عذبة ومكرورة بصورة رتيبة ويهتفون : ( جيشنا حديد ۔۔ جغم الجنجويد ) ، وحق لصغار الخرطوم ان يفرحوا رغم خطورة شعلاتهم النارية تلك ، فقد تواترت الاخبار حينها بتحرير وسط الخرطوم وجنوبها ، والزحف المقدس للقوات المسلحة اتجه غربا لتنظيف محلية امبدة حتى تخوم أم رواكيب على حدود الولاية مع شمال كردفان ، اما القصر الجمهوري ، فتلك فرحة نابعة من كل فج يا بلادي ۔
ورغم ذلك جاءت قرارت اللجنة الأمنية للولاية ٱنذاك احترازية بعد تدوين المليشيا للاسواق والمنازل والشوارع نهاية بإستهداف المصلين في المساجد وهم يؤدون صلاة التراويح ، لتدونهم مليشيا حميدتي بالراجمات والمسيرات والمدافع وهم عزل ، لأنهم يقفون خلف جيشهم الذي اذاقها الأمرين ، واطبق عليها كماشة الفناء لتصبح الخرطوم الصامدة مقبرة للمرتزقة والمأحورين والعملاء والأوباش ۔
ولكن كيف تعود الخرطوم عروسا للمدائن كما كانت بعد هذا الخراب والدمار الشامل ؟ ،
و( يا جمال النيل في الخرطوم بالليل ) ، وقبل الإجابة علينا ان نعود الى الوراء قليلا ، فقد كان معاش الناس في ( خرطومنا ) قبل الحرب الملعونة صعباً للغاية ، فهناك عشرات الأسر التي تصبح وتمسى بلا طعام ويسكنون في مزابل وليست مساكن تحيط بالخرطوم الكبرى كالسوار في المعصم .. أما أسواقهم أو قل ما بداخلها فإنه لايصلح للبيع أو الشراء ، ولولا العناية الالهية لرقدوا جميعهم جاثمين بعد تناول شئ واحد من تلك الأسواق .
فالأطفال كانوا يتحلقون حول مجموعة من النساء درجن على طبخ أي شئ بالزيت والصلصة والجلوس بين مسارات الحافلات بسوق ليبيا (مثلاً) وبيع ما بداخل ( الحلل) لهم في لب ( رغيفة ) غير مطابقة للمواصفات وب( تراب القروش ) ، ليملأ الصغير جوفه ويواصل تطوافه داخل السوق ،حاملاً ادوات الورنيش او ليجمع قوارير المياه الغازية الفارغة او جاء يحمل شئ من الخردة ( حديد ، بلاستيك ، المونيوم ، نحاس) بكمية لاتتجاوز الكيلو جرام الواحد ليبيعها ويحمل بثمنها خبزاً وشئ من الكرشة او نصف ربع من لحم الرأس وبالطبع ويكة ثم يمضي لأمه التي دخلت به الخرطوم قبل عامين او انجبته فيها وغادر اباه الى جهة غير معلومة او طلقها وهرب وهي تكافح لتربية الصغير مع اخوته الاربعة او الخمسة بغسيل الملابس والكنس والمسح لأسرة ثرية مقابل الفي جنيه في الشهر لأنها خادمة سودانية وليست حبشية فأجرها زهيد دائما .
وبحسب تعداد غير رسمى فإن عددا من خبراء الاحصاء أكدوا لـنا أن تعداد سكان الخرطوم قد وصل قبل الحرب الى عشرة ملايين نسمة ، دون الذين يدخلونها صباحا ويغادرونها مساءا الي ولايات الجزيرة ونهر النيل وشمال كردفان عبر القرى المتاخمة للخرطوم ، وجلهم في الاطراف والعشوائيات ، وهذا العدد كان سببا في أزمة المواصلات المعاشة والمشهودة كل يوم آنذاك ، وانعدام الخبز بعد العاشرة مساء وازدحام السيارات في الطرق طوال 22 ساعة في اليوم ، وابانوا أن ولاة الخرطوم المتعاقبون كانوا يحكمون جمهورية وليست ولاية ويحتاج الوالي للدعم المستمر من الحكومة الاتحادية وولاة الولايات بحسبان ان ثلثي مواطنيهم يقيمون عنده ، واشاروا الى ضرورة وضع خطة عاجلة لتطبيق قرار مماثل للقرار الذي اتخذه الرئيس الراحل نميري في الثمانينيات بإعادة مواطني الولايات اليها ولكن وفق خطة تحمل حوافز ومحفزات تعيد التوزيع المثالي للبشر في مساحة السودان الكبيرة ، والا فإن المساحات التي نزح عنها مواطنوها سيحل فيها الاجانب من دول الجوار وتلك طامة كبرى ، ويحمد لوالي الخرطوم الاستاذ أحمد عثمان حمزة أن شرع في ترحيل الاجانب بعد أن ( قلوا الأدب ) واصبحوا جنودا في مليشيا الدعم السريع يقتلون المواطنين ويسرقون امتعتهم ويغتصبون نساءهم وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم .
وبلغت معاناة المتكدسين في الخرطوم حداً لايوصف اذ ان الجزارين ابتكروا وزناً جديداً للحم واسموه ( نص ربع ) او ( مسكول ) وحتى العام 2005 م كان الرجل الذي يذهب الى الجزار ويبتاع منه (ربع كيلو ) لحمة او كبدة يقف منزوياً بعيداً حتى تغادر الجزارة نساء الحي وكل من يعرفه ليصرح للجزار بطلبه خجلاً من أن يصبح هو وزوجته وابنائهما ( ونسة ) في قعدات الجبنة لفقرهما حتى مستوى ( الربع ) .
ولكن الآن أضحى شراء (المسكول) يعني أنك من ذوي الدخل المتوسط وتطلبه بصوت عال إذ أن غيرك لايعرف للحم طريقاً ويملأ بطون أهل بيته ( سخينة بالمرقة ) مهما كان أسمها .
وفي الاطراف كانت توجد حوانيت خاصة جداً ذات عبوات صغيرة للغاية فهناك كل شئ يثلاثمائة جنيه الا الويكة بخمسمائة جنيه كأقل عبوة وعلبة الصلصة الصغيرة تفتح وتقسم في ثلاث عبوات لتباع مجتمعة بألف جنيه وثمنها في اي مكان ستمائة ، اما الزيوت فلا يوجد بها تاريخ انتاج او انتهاء والخضروات حسب الحالة الراهنة كالعربات في الدلالة تماماً، وفي الاسواق هناك مقاطعة غير رسمية للحوم بأنواعها بسبب عدم قدرة الناس على الشراء وتكون البطون ( الكمونية ، ام فتفت ، الدمام ، الكوارع ، العكو ) اول المغادرين لطاولات عارضيها ومن ثم يجد اهل اللحم من الجزارين فرصة للبيع بعد ان يثبت كل جزار مكبر صوت بقوة 1800 واط لينادي عبره الناس للشراء مع خصم 300جنيه او 500 جنيه من اسعار زملائه حتى يجمع ثمن اللحم الذي في طاولته لأنه اخذه بالدين من الموزع صباحا .
مهام جسام تقع على عاتق والى الخرطوم ( البلدوزر) احمد عثمان حمزة بعد تنظيف الخرطوم من الجنجويد ، فعلاوة على اعادة الاعمار التي تتطلب مالا جزيلا ، فإن اعادة ترتيب الولاية هم لايقل شأنا عن الاعمار وعلى جميع السكان مساعدته رغم افتقارهم وما حل بهم من بأس شديد خلال عامي الحرب الملعونة .
خروج أخير
هذا كله أضحى من الماضي ، والٱن الخرطوم عادت عروس المدائن كلها وعاد جل أهلها وتدفقت صنابير المياه واضيئت الكهرباء في كل مكان وانتشرت الشرطة لحفظ الأمن وخرجت جحافل الجيش تقاتل الجنجويد في ما تبقى من جيوب في ولايات كردفان وقريبا يبدأ الزحف المقدس لتحرير ولايات دارفور كلها من الأوباش فالتحية والتجلة والعرفان للقائد البرهان وضباطه وجنوده الأقوياء الشجعان الذين ( جغموا ) الجنجويد ، وللمايسترو أحمد عثمان حمزة الذي أعاد الخرطوم عاصمة للسودان من جديد .
سفر القوافي محمد عبد الله يعقوب قبس من التاريخ .. وتغنى أطفال الخرطوم ( جيشنا حديد ۔۔ جغم الجنجويد ) !!


