في عالم الطهي، حيث تُخلد بعض الأطباق بمؤلفات الطهاة الشهيرة، تخرج إلى الوجود أحياناً أخرى من رحم الصدفة المحضة وحاجة الإنسان البسيطة، لتصير مع الوقت نسيجاً من نسيج الهوية الجماعية. تتناقل الأجيال في السودان قصة اختراعئ “الحلو مر”، ذلك المشروب الفريد الذي يجمع بين حلاوة السكر ومرارة التوابل، ليس بوصفة ملكية أو إرث عائلة نبيلة، بل كنتيجة لعفوية الحياة الريفية وتقلبات الطبيعة. يدور نقاش خافت ولكن عميق بين أوساط المهتمين بالتراث والهوية حول أصل هذا المشروب: هل هو اختراع حديث نسبياً يعود للقرن التاسع عشر كما تحكي رواية شعبية مشهورة، أم هو امتداد لتقاليد شرابية ضاربة في عمق التاريخ السوداني والإفريقي؟ هذا السؤال لا يخص تاريخ مشروب فقط، بل يمس كيفية تشكل الذاكرة الجمعية، وطريقة حفاظ المجتمعات على تراثها غير المادي في مواجهة رياح التغيير والعولمة التي تطمس الخصوصيات.
تعود القصة الأكثر تداولاً إلى العام 1860 في مدينة بربر، حيث تحتفظ السيدة آمنة بت عبد الرازق ود الفحل بكيس من “العيش” أو ما يعرف محلياً بالفتريتة في مخزن منزلها. تهطل أمطار غزيرة تتسرب عبر السقف إلى الكيس، لتنبت داخله ما يعرف بـ “الزريعة”. بدلاً من التخلص منه، تقوم آمنة بتجفيفه وطحنه، وحين تستخدمه تتفاجأ بمذاقه الحلو. تصر على استخدامه وتضيف إليه بعض التوابل، ليتطور الأمر مع الوقت ويأخذ المشروب شكله المعروف اليوم. يشاع أن هذه الواقعة موثقة في دار الوثائق السودانية، مما يمنح الرواية طابعاً رسمياً في الوجدان الشعبي، رغم أن التداول الأساسي لها يبقى عبر المنصات الاجتماعية والتقليد الشفهي.
اليوم، يحتل الحلو مر مكانة خاصة في السودان، فهو ليس مجرد مشروب للارتواء، بل طقس اجتماعي يرافق التجمعات العائلية في المناسبات السعيدة والأعياد، ومذاق حميمي يربط المغتربين بوطنهم. يحضر غالباً بخلط دقيق الذرة المخمر قليلاً أو دقيق القمح مع الماء والسكر والزنجبيل والهيل والفلفل الأسود، ليقدم بارداَ. لم يعد مقصوراً على الديار السودانية، بل انتقل مع الجاليات إلى دول الخليج العربي ومصر وغيرها، حاملاً معه عبق التاريخ ودفء الذكريات. في عالم يزداد عولمة، يغدو الطعام والتذوق جسراً للتواصل وتلاقح الحضارات، وتعزز هذه الأطباق التقليدية إحساساً عميقاً بالراحة والتواصل مع الجذور. يصبح الحلو مر، في هذا السياق، سفيراً غير رسمي لثقافة بلد عانى من التهميش.
لكن هذه الرواية الرومانسية للاختراع تواجه تشكيكاً من قبل بعض المؤرخين وهواة التراث. يجادلون بأن المشروبات القائمة على الحبوب المتخمرة والممزوجة بالتوابل هي ممارسة قديمة جداً في المنطقة ومنسجمة مع البيئة. يذهب أحد هذه الآراء إلى أن الحلو مر معروف منذ أيام مملكة الفونج (1504-1821)، ويستشهدون بذكره في كتابات المؤرخ البريطاني آلان مورهد في كتابه “النيل الأزرق”، ما يشير إلى أن تاريخه قديم قدم التاريخ نفسه وليس وليد القرن التاسع عشر. هذا الجدل ليس أكاديمياً بحتاً، بل يعكس سجالاً حول مفهوم “الأصالة” و”التراث”. هل التراث هو ما يمكن توثيقه بشكل قاطع عبر المخطوطات والآثار؟ أم هو أيضاً الحكايات الشعبية الحية التي تؤمن بها الجماعة وتنقلها وتحييها بممارستها اليومية، حتى لو كانت تخلط بين الواقع والأسطورة؟ تبرز هنا أهمية الجهود التي تبذل لحماية هذا التراث الثقافي الغذائي غير المادي، من خلال توثيق الوصفات والممارسات وضمان استمراريتها للأجيال القادمة.
في خضم هذا الجدل التاريخي، تتجلى دلالات أعمق. قصة اختراع الحلو مر، سواء كانت حرفية أو رمزية، تضع المرأة في قلب عملية الابتكار الغذائي وحفظ الذاكرة الثقافية. فكثيراً ما كانت المرأة، وخاصة الريفية، حارسة لتقاليد “المونة” والتخزين وتحويل المنتجات الفصلية إلى مؤونة دائمة، مساهمةً مجهولةً ولكن محورية في تأمين الغذاء وتطوير المطبخ المحلي. كما أن تحول المشروب من حادثة منزلية إلى جزء من الهوية الوطنية يسلط الضوء على كيفية بناء المجتمعات لهويتها عبر تبني وتطوير عناصر حياتية يومية بسيطة، ورفعها إلى مصاف الرموز الثقافية. في عصر “الثقافة الكونية الموحدة” التي تهدد التنوع المحلي، يصبح التمسك بمثل هذه الأطباق والمشروبات شكلاً من أشكال الحفاظ على الخصوصية والتميز.
أمام هذا الثراء، تبرز آفاق واعدة ومخاطر حقيقية. يشكل الحلو مر فرصة سياحية واقتصادية يمكن استثمارها عبر الترويج له كمنتج تراثي فريد، وربطه بالسياحة الثقافية. قد يكون تطويره وتعبئته تجارياً خطوة لتعريف العالم به، على أن يتم ذلك بحساسية تحافظ على جوهره التقليدي وتجنبه الوقوع في فخ التصنيع الذي يفصله عن جذوره. التحدي الأكبر يكمن في التوازن بين الحفاظ على نقاء الرواية والوصفة التقليدية من جهة، والانفتاح على التطوير والانتشار العالمي من جهة أخرى. القيمة الحقيقية للحلو مر قد لا تكمن في تحديد تاريخ ميلاده الدقيق بقدر ما تكمن في استمراريته كلحظة لقاء بين الأجيال، وكنكهة تحمل في مرارتها وحلاوتها تعقيدات التاريخ السوداني وجمالياته.
في الختام، تظل قصة الحلو مر نسيجاً مزدوج الخيوط: خيط من حكاية شعبية دافئة عن امرأة بارعة، وخيط من جدل تاريخي عن أصول ممتدة. ربما يكون هذا الازدواج نفسه هو سر بقائه وقوته. فهو أكثر من مجرد مشروب منعش؛ إنه إناء سائل يحمل ذاكرة جماعة، وشاهد على قدرة المألوف اليومي على التحول إلى رمز ثقافي متين. صون هذا الإراث لا يعني التحجر عند رواية واحدة، بل يعني فهمه ككائن حي يتطور، والإقرار بأن هوية الشعوب من تراثها ، بل أيضاً في المطابخ وحول موائد الطعام، حيث تتحول الصدفة البسيطة إلى تراث خالد.


