29.3 C
Khartoum
الإثنين, مارس 16, 2026

الخدمة المدنية في السودان بين تراجع الأداء وتحديات الإصلاح و الرضا الوظيفي كتبت: محاسن عثمان نصر

إقرأ ايضا

يلاحظ المتابع لمسار الأداء الوظيفي في الخدمة المدنية بالسودان، عبر الزمن، تراجعًا ملحوظًا في الكفاءة والإنتاجية؛ تراجعٌ لم ينشأ فجأة، بل تشكّل بفعل تراكمات ممتدة من التحديات الإدارية والاقتصادية والبيئية. فقد ظلت الوظيفة العامة، في كثير من الأحيان، محاصرة بعوامل أضعفت قدرتها على الاستجابة لمتطلبات الدولة وخدمة المواطن بالكفاءة المنشودة.

ويأتي في مقدمة أسباب هذا التدهور اختلال العلاقة بين الأجر وحجم العمل، إذ فقدت المرتبات قدرتها على تلبية الحد الأدنى من متطلبات الحياة، الأمر الذي انعكس سلبًا على الدافعية المهنية والاستقرار الوظيفي. كما أسهم غياب العدالة في نظم الحوافز والترقي الوظيفي في تعميق الإحباط داخل المؤسسات، وتوليد شعور بعدم الإنصاف، نتج عنه توتر في العلاقات المهنية وتراجع روح العمل الجماعي، ما أثّر مباشرة على جودة الأداء والانضباط الوظيفي.

وتفاقمت هذه الأوضاع بفعل بيئة العمل غير الجاذبة، سواء من حيث ضعف البنية التحتية أو نقص المعينات الأساسية، الأمر الذي أدى إلى إرهاق الكوادر واستنزاف طاقتها، وانعكس في عدم انتظام العمل وتراجع الالتزام الوظيفي. ومع اندلاع الحرب الدائرة في البلاد، دخلت الخدمة المدنية مرحلة أكثر تعقيدًا، إذ تعرضت المؤسسات لتدهور كبير في المباني والمتحركات والمعينات بصورة ملحوظة. كما أسهم نزوح أعداد كبيرة من الكوادر إلى المناطق الآمنة داخل السودان، وكذلك البحث عن الأمان خارج حدود الوطن، في التأثير على أداء كثير من المؤسسات التي تعمل بأقل من 50% من طاقتها التشغيلية، وتوقف عدد من التخصصات الحيوية، واضطرار الإدارات للاعتماد على تخصصات محدودة لتسيير العمل، في صورة تعكس حجم الخلل الذي أصاب الجهاز التنفيذي للدولة.

إن الخروج من هذا الواقع يستلزم مقاربة إصلاحية شاملة تقوم على إعادة الاعتبار للعنصر البشري بوصفه حجر الزاوية في أي عملية تطوير. وفتح باب التعيين لسد الفجوة في التخصصات، والاهتمام بالتدريب المستمر ورفع كفاءة الكوادر، من أهم أدوات استعادة الفاعلية المؤسسية، بما يضمن تحسين الأداء ومواكبة المتغيرات. كما أن الالتزام بتوفير أجرٍ مجزٍ وحوافز عادلة وشفافة يمثل خطوة أساسية في تحقيق الرضا الوظيفي، واستعادة الثقة بين العامل والمؤسسة، وتعزيز الانتماء المهني، وضرورة إجراء إصلاحات اقتصادية لخفض التضخم وفك الاختناقات لترقية العاملين. ولا يقل عن ذلك أهمية العمل على تهيئة بيئة العمل الداخلية وتحسين ظروفها، وتيسير وصول العاملين إلى مواقع العمل عبر توفير المتحركات، بما يخفف أعباء التنقل ويعزز الاستقرار الوظيفي.

وفي ظل التضخم المتصاعد وارتفاع تكاليف المعيشة، تبرز الجمعيات التعاونية كآلية داعمة تسهم في تخفيف الأعباء الاقتصادية عن العاملين، وتدعم تحقيق الرضا الوظيفي، بما ينعكس إيجابًا على مستوى الأداء والانضباط المؤسسي.

إن إصلاح الخدمة المدنية في السودان لم يعد ترفًا إداريًا، بل ضرورة وطنية تمليها تحديات المرحلة، فبكفاءة الجهاز التنفيذي تتحقق الأهداف العامة، وبالرضا الوظيفي للكوادر تُستعاد روح العطاء، وتُصان مؤسسات الدولة حتى في أكثر الأوقات قسوة واضطرابًا.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة