في ظل عودة حكومة الأمل إلى الخرطوم لن تُبنى الخرطوم بعودة الوزراء، ولا تُستعاد الدولة ببيانات النصر.
ما بعد الحرب في السودان ليس ملفًا إداريًا يُغلق، بل جرحًا اجتماعيًا مفتوحًا، وعمّال السودان هم من وقفوا في قلب هذا الجرح، بلا حماية، بلا ضمانات، وبلا صوت مسموع.
الحرب لم تدمّر البنية التحتية فقط، بل كسرت العقد الاجتماعي غير المكتوب بين الدولة وعمّالها.
عُمّال القطاع الاجتماعي – من معلمين، وأخصائيين اجتماعيين، وعمال صحة، وموظفي خدمات، ومتطوعين تحوّلوا قسرًا إلى عمّال إغاثة – لم يغيبوا عن المشهد يومًا، لكن الدولة غابت عنهم بتشغيل جزء منهم دون عدالة في الإختيار.
*عودة الحكومة إلى الخرطوم: اختبار صدقية لا احتفال سياسي*
عودة الحكومة المركزية إلى الخرطوم يمكن أن تكون بداية أمل حقيقي، أو مجرد انتقال جغرافي بلا مضمون. الامتحان ليس في رفع العلم فقط ، بل في إعادة الاعتبار للعامل السوداني: أجرًا كريمًا، بيئة عمل آمنة، حماية قانونية حقيقية وعدالة في التشغيل والإستيعاب والفرص لا وعودًا مؤجلة.
القطاع الاجتماعي تحديدًا يدفع ثمن الإهمال المزمن. عماله يعملون في أقسى الظروف، يتعاملون مع صدمات الحرب، النزوح، الفقر، والتفكك الأسري، بينما هم أنفسهم بلا دعم نفسي، بلا تأمين، وبلا استقرار وظيفي وبعض مسؤلي المؤسسات يترفعون بالإمتناع عن الجلوس مع ممثلينهم لمناقشة قضاياهم ومظالمهم ومستقبلهم الوظيفي في وقت تتزاحم مكاتبهم بمن هم خارج الهيكل الوظيفي هذه ليست بطولة، بل استنزاف منظم.
*الحقوق: لا إعادة إعمار بدون كرامة العامل*
الحديث عن واجبات العمال دون تثبيت حقوقهم هو استمرار لمنطق ما قبل الحرب، وهو منطق ثبت فشله. الحقوق الأساسية واضحة ولا تحتمل المساومة:
● أجر عادل يواكب غلاء المعيشة، لا أجور رمزية تُدفع على استحياء.
● حماية قانونية ونقابية مستقلة، لا واجهات شكلية.
● تأمين صحي واجتماعي، خصوصًا للعاملين في القطاعات عالية الخطورة.
● إشراك حقيقي في صنع السياسات، لا استدعاء متأخر عند الأزمات خاصة الشباب منهم.
من دون هذه الحقوق، يصبح أي حديث عن “الانضباط” و“الواجب الوطني” نوعًا من الابتزاز الأخلاقي.
الواجبات: المهنية أولًا… لا الطاعة العمياء
نعم، على عمال السودان واجبات، لكن ليس كما اعتادت السلطة أن تفهمها. الواجب الحقيقي اليوم هو:-
● إعادة بناء أخلاقيات الخدمة العامة على أساس المهنية لا الولاء.
● مقاومة الفساد الصغير قبل الكبير، ورفض التطبيع مع الرداءة.
● الانحياز للمواطن لا للمكاتب، وللخدمة لا للتعليمات الجوفاء.
● بناء نقابات واعية، ديمقراطية، لا تُدار من فوق يكون الشباب ركيزتها.
الواجب ليس الصمت، بل المشاركة النقدية. ليس التحمّل الأبدي، بل المطالبة المنظمة.
*القطاع الاجتماعي: مرآة الدولة*
النازح الذي لم يجد أخصائيًا اجتماعيًا، والطفل الذي عاد إلى مدرسة بلا معلم مستقر، والأسرة التي واجهت الفقر بلا دعم… هؤلاء لا يحتاجون خطابات، بل عمّالًا محميين، مؤهلين، ومحترمين.
*الشرعية لا تُسقِطها السعايات… والنقابة لا تُدار من خلف الستار*
نحن لا نعيش في فراغ، ولا نُدار بالهمس ولا بالمؤامرات الصغيرة. ما يُثار اليوم من محاولات مكشوفة للإطاحة برئيس/ة نقابة فرعية من مسؤل/ة وحدة عبر سعايات فردية وممارسات تفتقر للشرعية، هو في حقيقته تعبير عن عجز سياسي ونقابي، لا عن خلاف مشروع.
النقابة ليست ملكًا لرئيس/ة وحدة، ولا حقل تجارب لطموحات شخصية، بل مؤسسة ديمقراطية تحكمها لوائح، وتحميها جمعية عمومية واعية، انتخبت من يمثلها عن قناعة، لا عن خوف ولا صفقة.
من يريد التغيير فليأتِ من الباب الصحيح:
● الجمعية العمومية.
● صندوق الاقتراع.
● برنامج إنتخابي.
أما محاولات الالتفاف، والتشكيك، وبث الفتن، فلن تُسقط قيادة جاءت بإرادة القواعد، ولن تُربك مسارًا نقابيًا يعرف أين يقف ولماذا.
نحن نعرف حجم المرحلة، ونعرف أن العمل النقابي اليوم ليس ترفًا، بل معركة وعي وحقوق في زمن الانكسارات. ولذلك، لن نُهدر طاقة النقابة في صراعات جانبية، ولن نُجرّ إلى مستنقعات التشويه.
طالما لنا عضوية جمعية عمومية مؤمنة بهذا المسار، وطالما نحمل تفويضًا شرعيًا يوثقه ويتابعه ويراقبه مسجل عام تنظيمات العمل ويكفي فقط على راسه مولانا امنة كبر ومولانا سراج الدين، وطالما لنا رئيس لإتحاد نقابات عمال السودان بقامة دكتور سر الختم ، فإن هذه النقابة ستبقى واقفة، مستقلة، ومنحازة لقواعدها، لا تهتز بسعاية، ولا تُدار بالخفاء.
والتاريخ لا يرحم من يختصر النقابة في ذاته، ولا من يظن أن الشرعية تُنتزع بالصوت العالي بدل الإرادة الحرة.
*ذاكرة العمل الإنساني على الأرض… نداء عاجل قبل فوات الأوان*
في إطار زيارتنا التفقدية للاطمئنان على حقوق العاملين، قامت رئيسة النقابة الفرعية لمفوضية العون الإنساني وأمينها العام بزيارة مقر مفوضية العون الإنساني الاتحادية بشارع الجمهورية – محلية الخرطوم.
وجدنا المفوضية – من حيث المباني – في حالة جيدة في أغلب أجزائها، وهو أمر محمود يساعد لجهات التي ستساهم في إعادة التأهيل لكن وبكل أسف ما هو أخطر من الجدران والدهانات كان حاضرًا أمام أعيننا “ملفات مكتب المسجل العام للمنظمات وسجلات تسجيل وإعادة تسجيل المنظمات وملفات عربات المنظمات” وغيرها من المستندات الحساسة – وهي الذاكرة الحقيقية للعمل التطوعي والإنساني في السودان – وُجدت مبعثرة، غير مؤرشفة وأغلبها ملقى على الأرض.
نقولها بوضوح ودون مواربة هذه المستندات ليست أوراقًا عادية “بل توثيق قانوني وحقوق ومسؤوليات وتاريخ كامل لعمل إنساني ووطني”. العبث بها أو تركها عرضة للتلف أو الضياع لا يقل خطورة عن ضياع المؤسسات نفسها.
نحمد الله أولًا على وجود هذه الملفات وعدم فقدانها لكن وجودها بهذه الحالة “يُعد خطرًا داهمًا لا يحتمل التأجيل أو التبرير”.
وعليه فإننا نناشد قيادة مفوضية العون الإنساني بأعلى صوت:-
● تكوين لجنة عاجلة وفورية لجمع وفرز وأرشفة كل المستندات والملفات الخاصة بمكتب المسجل العام وإدارة المنظمات.
● توفير الحد الأدنى من البيئة الآمنة للأرشفة والحفظ، بما يضمن سلامة الوثائق من التلف أو العبث.
● الاستفادة من حقيقة أن أغلب العاملين بمكتب المسجل وإدارة المنظمات متواجدون وعلى أتم الاستعداد للقيام بهذا العمل الوطني والمهني المهم.
إن حماية الوثائق ليست مسألة إدارية هامشية، بل مسؤولية أخلاقية وقانونية، واختبار حقيقي لجدية الدولة في احترام العمل الإنساني والعاملين فيه.
*هذا نداء واجب، صريح، ومستعجل…*
*فذاكرة العمل الإنساني إذا ضاعت، لا تُعوَّض، ولا يُغفر التفريط فيها.*
*كلمة أخيرة*
ما بعد الحرب ليس زمن الصبر المجاني. عمال السودان ليسوا وقود مرحلة انتقالية، بل شركاء في إعادة بناء الدولة. عودة الحكومة إلى الخرطوم يجب أن تُقرأ كالتزام أخلاقي وسياسي تجاههم، لا كصورة تذكارية.
إن لم تبدأ العدالة من مواقع العمل، فلن تصل إلى الشارع.
وإن لم يُنصف العامل، فلن تُنقذ الدولة.
*ولنا عودة*


