29.3 C
Khartoum
الإثنين, مارس 16, 2026

اجتماع تاريخي يضع أسساً جديدة للوقاية من الكوارث والتعافي البيئي في السودان قلم وطني بقلم: خالد المصطفى

إقرأ ايضا

في قاعة مكتب الأمين العام للمجلس القومي للدفاع المدني، وبين دفتي تقويم فبراير من عام 2026، لم يكن اللقاء مجرد اجتماع روتيني آخر. كان إعلاناً جماعياً عن نضج في الرؤية، كما وصفه رئيس الاجتماع، حيث اجتمعت إرادة وطنية صامتة مع شراكة دولية داعمة لنسج خريطة طريق غير مسبوقة للتعافي. كان السؤال الحاضر بإلحاح: كيف تنتقل دولة أنهكها الحرب على تمرد مليشيا الدعم السريع الارهابية من مرحلة الاستجابة للطوارئ إلى مرحلة بناء صمود استباقي، تحفظ كرامة مواطنيها وتضمن عودتهم الآمنة، وتحول الكارثة البيئية إلى فرصة للبناء المستدام؟ هذا ما سعى الاجتماع، الذي عقد صباح يوم الأربعاء الرابع من فبراير، للإجابة عليه بحضور قيادات وطنية ودولية رفيعة.

في كلمته الافتتاحية، وضع الفريق شرطة الحقوقي الدكتور عثمان عطا مصطفى، الأمين العام للمجلس القومي للدفاع المدني، اللبنة الفلسفية للقاء مؤكداً على تحول استراتيجي من ثقافة الاستجابة إلى ثقافة الاستثمار في الوقاية، مستشهداً بدعم وزير المالية الدكتور إبراهيم جبريل ومقولته بأن “دولاراً واحداً يُنفق في الوقاية خير من ألف دولار تنفق في مواجهة الكارثة”. وربط سيادته ببراعة بين التحديات المناخية وأمن الكوارث والأمن الاقتصادي الوطني. ثم استعرض بإيجاز إنجازات نوعية شكلت أساساً للثقة، شملت السيطرة على حرائق منشآت حيوية مثل المصفاة النفطية، والتعامل مع مخلفات الحرب، وحملات التعقيم الواسعة، وصولاً إلى إدخال تكنولوجيا الطائرات المسيرة وتأسيس مركز متطور للإنذار المبكر في بورتسودان واستلام أجهزة قياس بيئي متطورة. وأكد على الدور المحوري للمجلس في الحد من مخاطر الكوارث وفق الأطر الدولية، داعياً إلى آلية تعاون وتمويل دولي لتعافي النظم البيئية وتمهيد طريق الإعمار.

ثم تناولت الدكتورة غادة، الأمين العام للمجلس الأعلى للبيئة بولاية الخرطوم، الكلمة معبرة عن امتنانها لقوات الشرطة والدفاع المدني على صمودهم، وكشفت عن عمق الشراكة التاريخية بين الجهتين والتي أثمرت أول استراتيجية لإدارة الكوارث بالولاية، وحصلت على تقدير عالمي. لكن حديثها سريعاً ما انتقل إلى واقع مؤلم: فقدان معظم الإمكانيات من مباني وآليات، وتدمير المختبر البيئي الحيوي، والعمل بـ 10% فقط من الكوادر بعد هجرة الخبراء بسبب الحرب. وأشارت إلى تحديات حرجة مثل اضرار التعدين العشوائي في في منطقة سوبا، ومردم نفايات “حسكنيتا” يحتاج الى مراجعة بيئية للتعرف على صلاحيتة واضراره، مقدمة مقترحاً لمكب جديد. ورأت في الدفاع المدني “شريان حياة” لتعويض فقدان المختبرات، من خلال إجراء القياسات العملية، وطالبت بتبادل التدريب وإتاحة قاعات مجهزة، مؤكدة استعدادها التام لأي تعاون.

من جانبها، عبرت الدكتورة منى زين العابدين، نائب المدير القطري لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، عن إعجابها بالمجهود الجبار للدفاع المدني. وشرحت أن مكتبها قدم إلى السودان بعد الحرب بأربعة أشهر ليدرك الاحتياجات الحقيقية، مشيدةً بورش المجلس الأعلى للبيئة الأربع. وكشفت عن مشروعين رئيسيين: الأول مع بنك التنمية الإفريقي يركز على تعزيز الصمود المؤسسي وسبل العيش ويتضمن تأميناً ضد مخاطر الكوارث، وطلب تحديد نقطة اتصال مع المجلس القومي لوضع الوثيقة النهائية تمهيداً للتنفيذ في مايو 2026. والثاني حول محمية الدندر لتعزيز المرونة تجاه التغير المناخي. وأعلنت عن مشاريع جديدة في الصرف الصحي وإدارة النفايات الصلبة وإنتاج الطاقة النظيفة. وقدمت رسالة مطمئنة بناءً على تقرير بالأقمار الصناعية أكد أن الخرطوم “صالحة للعيش” وخالية من مخلفات الحرب، داعيةً لاستخدام هذه الرسالة لتشجيع عودة النازحين.

وفي مداخلات مفصلة، قدم قادة الدفاع المدني عروضاً معمقة للجهود الميدانية والتنسيقية. بدأ السيد العميد شرطة الدكتور هشام، مدير شؤون الأمانة، مؤكداً حاجة المجلس للتعاون المشترك مع جميع الشركاء لتنفيذ خطة عام 2026 الطموحة في مكافحة النواقل والمخاطر البيئية. وعرض السيد العقيد شرطة الدكتور أمير الحسن، مدير قوات الدفاع المدني بمطار الخرطوم، دور المجلس كنقطة ارتكاز وطنية، مشيراً إلى توسيع عضويته وإرساء 75% من استراتيجيته، ومطالباً بتعاون مكثف خلال الأعوام الأربعة القادمة. ثم استعرض المقدم شرطة خالد عبد الله محمد المصطفى مقترحاً لمشروع ممول من الأمم المتحدة: نظام إلكتروني موحد لإدارة دورة حياة المواد الخطرة والنفايات الخطرة من المنافذه تصاريح دخولها إلى التخلص النهائي عبر المجلس الاعلى للبيئة، انطلاقاً من توصيات ورشة المجلس الأعلى للبيئة. فيما استعرض الرائد شرطة محمد ضياء الدين، من إدارة المواد الخطرة، الجهود الحثيثة بعد التحرير في إزالة مخلفات الحرب والتعامل معها بالتعاون مع “فريق وطني” مشكل من جميع الجهات. وأوضح الرائد شرطة صلاح من الأمانة العامة الطابع التنسيقي والسكرتاري للمجلس، مؤكداً أن بابه مفتوح للتعاون في أي وقت.

وانعكست حيوية النقاش في توافق الحضور على مبادئ جوهرية: التحول من الاستجابة إلى الوقاية، والاعتراف بالدمار وتقدير الجهود، والإقرار بوجود فجوات تشريعية ومؤسسية، والاستفادة من الشراكات الدولية لبناء قدرات دائمة، وأخيراً، التأكيد على الدور المحوري للمجلس القومي للدفاع المدني كمحور تنسيقي وطني. وتبلور هذا التوافق في مخرجات ملموسة تمثلت بتأسيس آلية تنسيق دائمة بين الجهات الثلاث الرئيسية، ومشروع النظام الإلكتروني الموحد لإدارة المواد الخطرة والنفايات الخطرة، ومشروع مكب النفايات الجديد، وتحديد نقطة اتصال لمشروع بنك التنمية الإفريقي، وخطة عمل مشتركة لعام 2026.

في الختام، يمثل هذا الاجتماع أكثر من مجرد نقاش؛ فهو علامة بارزة على استعادة العقل المؤسسي والاستراتيجي لزمام المبادرة في بيئة ما بعد الحرب. إن تحويل التوصيات – من تعزيز التنسيق ومعالجة الفجوات التشريعية إلى توحيد نظام الرصد وتوظيف الشراكات الدولية – إلى إجراءات ملموسة سيكون هو المعيار الحقيقي للنجاح. الرسالة التي خرج بها الجميع واضحة: الطريق إلى تعافي البيئة وإعادة الإعمار يمر حتماً عبر تعاون وثيق يضع الوقاية نصب عينيه، ويستثمر في صمود المواطن قبل استجابة المنقذ، لتحقيق بيئة أنظف ومجتمعات أكثر قدرة على مواجهة ما قد يأتي.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة