رمضان كريم و( تصوموا وتفطروا على خير ) ، ففي نهاية ايام حكومة الإمام الراحل الصادق المهدي ( طيب الله ثراه ) في العام 1989 م عندما كانت الدنيا ( مهدية) كما قال الشاعر الراحل محمد المكي ابراهيم في قصيدته المدهشة ( بعض الرحيق انا والبرتقالة أنت ) :
فليسألوا عنك أفواف النخيل رأت
رملاً كرملك
مغسولاً ومسقياً
وليسألوا عنك أحضان الخليج متى
ببعض حسنك
أغرى الحلم حورية
وليسألوا عنك أفواج الغزاة رأت
نطحاً كنطحك والأيام مهديه …
فقد كان طقس الخرطوم حارا مثلما هو الآن في ايام السودان ( الإدريسية ) وكانت الأسواق تعج بالسابلة ، وكان الشباب والشيوخ يلعبون ( القمار السوداني ) امام رجال الشرطة وهو ما يعرف محليا ب( الملوص ) وكانت المخابز تنتج خبزا ( مضحك جدا ) ومبكي جدا ايضا ، بعد ان تضعه في الكيس , وهذا الاخير نعايشه الآن بفارق ان في حكومة الصادق لا يوجد كيس من المخبز والآن ( الكيس مجانا ) للزبون لكن حجم الرغيفة أضحى مخجل جدا في العديد من المخابز اليوم ، حتى ان صاحب مخبز بالاسكان ، وجد ان الفران قد بالغ ( ليلا ) في تصغير حجم الرغيفة فما كان منه إلا وأعلن بمكبر الصوت ” المحمول ” صباحا ( علينا جاي سبعة عيشات بي الف ) و( الإختشوا ماتوا ) ۔
وكأن رئيس هيئة حلمنتيش العليا الدكتور أحمد الامين قد تنبأ بما يحدث لاحقا من ( جوع ومسغبة وموت الضمير ) في نفوس بعض أهل الخرطوم ، وعبر عن ذلك بقصائده ودرر زملائه في الهيئة الشعرية العظيمة ( حلمنتيش ) ، والتي كتبها في عهد الرئيس الراحل جعفر نميري ، إذ قام المتجهجه الأممي بتصوير ذلكم الواقع المر ببوصلاته و( مواصلاته ) ايضا ، فقال في قصيدة له :
ابوفرار حايم
وانا في السوق حايم
ابتغي بعض رغيف
لصغار في مرابيع الجريف
ان هذا العيش
ذو وزن خفيف ومحرق
وملولو
وابوفرار حايم وأنا
في السوق حايم
ان في السوق علالة
ودلالة وملوص
وابوفرار حايم ۔۔۔
ولمن لا يعرف ابي فرار فإنه داء السحائي الذي تسببه ضربات شمس الصيف الحارة والآن الشتاء تنازل للصيف في الخرطوم عن كامل شهور إقامته المنصوص عليها جغرافيا ، وأتت أيام شهر رمضان المبارك وكلنا ( في السوق حايمين ۔۔ وابوفرار حايم ) ۔
ولكن المتجهجه الاممي – وهو لقب الدكتور احمد الأمين لم يتوقف في هذه المشاهدات وتناول حالة ( العنطظة) عند بعض ( الكضابين وبتاعين التلاتة ورقات والعاملين فيها مقطعين الثقافة قطيع ) وذلك حين قال :
البص ده جا من دنقلا …
سواقو ظاهر ود قرا
كاتب عليه الصاروخ أبولو
كبيرة في الباب الورا
ثم يقول
البص ده جا من الديوم .. شاحن خبوب شاحن خموم
من الحمولة
اللستكين عملن جضوم ..
وبعدها يقول :
البص ده جا من تندلاي
يا تندلاي
باي باي معاك ۔۔ باي باي معاي ۔۔
ثم قام بتشطير بعض ابيات قصيدة الشاعر التونسي ابوالقاسم الشابي ، ليغازل محبوبته فقال لها :
قيافة أنتي كالطماطم كالعجور
كالفجل كبياض الهدوم ۔۔
بعيدة انتي على البص
كحارات الديوم ۔۔
كل شي موقع فيك حتى
قزة الكوع وانكماش الجضوم ۔۔
ولكن اعتماد تغيير ورقة الخمسين جنيها الخضراء الهادئة الألوان بأخري آنذاك وكانت ( جهنمية ) اللون ( على روي ) شجرة الورود المتدلية من حوائط حارات ام درمان جميعها ، حيث ان ربات البيوت كن يعشقنها وتقول الجارة لجارتها : ( والله ابو الاولاد قال احسن نخت المزيرة تحت الجهنمية ) ، واللهم نعوذ بك من نار جهنم وما يؤدي اليها من عمل ۔۔ اللهم آمين ۔
فهذه الخمسين جنيه الحمراء ، كان لايرغب في حملها كل الهلالاب في السودان ، ولعل الدكتور الراحل حازم عبدالقادر محافظ بنك السودان اراد ان يبرهن حبه للمريخ العظيم ، ولكنه لم يفوق حب رجل البر والإحسان المهندس عمر النمير رئيس نادي المريخ السابق الذي اشبع كل الجوعى بسلاله المليونية ۔
ولكن مدير بنك السودان الراحل عبر عن حبه للمريخ ب( خمسين عديل ) و( حمرا كمان ) ، وطالب الهلالاب حينها ( بدك الورق ) ۔
و( سلملي على البتجان ) وعلى مزوري عملتنا الوطنية خارج الحدود وداخلها وفي اطراف الولايات والقرى والفرقان بعد ان هزمها الجنيه المصري ب( فحل بصل ) في العتبة ۔
وعاش والي الخرطوم وأمنه وشرطته وهم يلاحقون ( المزورين واللصوص وقطاع الطرق والمخربين ) في كل شارع ولفة وزقاق ، حتى عادت الخرطوم عاصمة للسودان مبرأة من كل عيب ۔
خروج أول
استشرى تعاطي المخدرات وسط شبابنا خاصة ( البنقو ) ولم ينجو منه حتى بعض منتسبي القوات النظامية بجميع مسمياتها بكل اسف ، ففي كل الازقة المجاورة للاسواق الشعبية في حارات ولاية الخرطوم ومربعاتها قبل ان تطلق الدولة يد اللجنة الأمنية القوية في الخرطوم لمحاربة الظواهر السالبة ، كان يجلس ( المخخنجية ) امام ترابيز صغيرة ويقطعون قناديل البنقو على عينك يا تاجر ، والمراهقون يبتاعونه منهم رغم حملات الاطواف المشتركة التي كانت تملأ شوارع العاصمة التي إستعادت عافيتها من عبث الجنحويد السابق ، ولكن المخدرات تبقى قنبلة الخرطوم الكبرى الموقوتة اذا توقفت اللجنة الأمنية المجوغلة عن عملها المشرف هذا لأي سبب من الأسباب ۔
خروج أخير
قال سيد احمد الحاردلو :
ﻃﺒﻞ ﺍﻟﻌﺰ ﺿﺮﺏ ﻭﺍﻟﺨﻴﻞ ﺗﺴﺎﺑﻖ ﺍﻟﺨﻴﻞ
ﻣﻦ آﺧﺮ ﺍﻟﺠﻨﻮﺏ لي عطبرة و ﺗﻮﺗﻴﻞ
ﻳﺎ ﺷﺠﺮ ﺍﻟﻬﺸﺎﺏ ﻗﻮﻡ ﻧﻤﺸﻲ بحر ﺍﻟﻨﻴﻞ
و يا ﻟﻮﺯ ﺍﻟﻘﻄﻦ ﻗﻮﻡ ﺗﺎﻧﻲ ﻓﺘﺢ ﻭﺷﻴﻞ
و ﺍﺭﻗﺺ يا ﻧﺨﻴﻞ ﻓﻮﻕ ﺍﻟﺴﻮﺍﻗﻲ و ﻣﻴﻞ
ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ ﺧﻼﺹ داير ﺍﻟﺴﻤﺢ ﻭﻋﺪﻳﻞ
ﺷﺪ ﺳﻮﺍﻋﺪﻭا ﺗﺎﻧﻲ ﻭﻗﺎﻡ ﺟﻤﻴﻞ ﺑﺎﻟﺤﻴﻞ ۔
سفر القوافي محمد عبدالله يعقوب ۔۔ ” تبريدة ” رمضانية ۔۔ عاش والي الخرطوم والجيش والشرطة والأمن ۔۔ و”ابوفرار حايم” !


