يصبح الإنسان (مسلما) إذا نطق بشهادة التوحيد وأقام أركان الإسلام قناعة بها.
ويكون من أهل (الإيمان) إن أيقن بأركان الايمان بالله وبملائكته وبكتبه وبرسله وباليوم الآخر وبالقضاء خيره وشره.
وهناك درجة أعلى من ذلك، انها (التقوى) الأسمى رتبة والأعلى شأنا.
وقد جمع الله تعالى الأمم كلها واوصاهم بالتقوى حيث قال جل في علاه:
{وَلَقَدۡ وَصَّیۡنَا ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَإِیَّاكُمۡ أَنِ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۚ} النساء 131.
يقول الإمام الطبري رحمه الله “ولقد أمَرْنا أهلَ الكتابِ، وهم أهلُ التوراةِ والإنجيلِ، ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾. يقولُ: وأمَرْناكم وقلنا لكم ولهم: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾. يقولُ: احْذَروا الله أن تَعْصُوه وتخالفوا أمرَه ونهيَه”
أنتهى.
ومن كرم الله علينا أن كتب علينا الصيام اعانة لنا لنكون من المتقين:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة 183
فالصوم يحقق التقوى…
في عز الحر وأنت صائم تشعر بالعطش فتشتهي الماء (وهي أمامك)، و(قد تكون باااردة)، ويمكنك أن تضمن بأن لايراك مخلوق لتشرب، لكنك تمسك بنفسك وتلجمها… هذه هي التقوى يا أحباب…
وتحين الصلاة والعطش يتملكك، فتشرع في الوضوء وقد تكون وحيدا، فتتمضمض وقد يدخل الماء إلى أقرب مسافة من البلعوم وليس بينك وبين شربه وتحقيق ما تشتهي سوى إرادة البلع والتي لو حدثت لن يعلم بها مخلوق ممن حولك لكنك لا تفعلها! لماذا؟! لأنك صائم، إنها التقوى، إذ تعلم يقينا بأن الله يراك ومطلع عليك…
وتلك زوجك في بيتك بجوارك وهي (حلالك)، فتمسك نفسك عنها، وتمسك هي نفسها عنك خلال النهار صدعا بأمر الله، فتتقيان الله وتنأيا بنفسيكما…
ولعمري بذلك استحق الصيام التمييز بأن: (إلا الصوم فإنه لي وأنا اجزي به)!، اذ فيه النأي بالنفس عن ال(حلال) عوضا عن الحرام!!!.
لقد استعرضنا معا تعريف التقوى في المقال الأول، وجماع تعريفها أنها تجعل بيننا وبين عذاب الله وقاية، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والوقوف عند حدوده، والتأدب بما أدبنا الله به.
ثم إن (الصوام) النائي بنفسه عن الرياء واراءة الناس بكونه صائم في غير رمضان أجده اصدق تدينا وأفضل في حسن التعامل مع الآخرين بأكثر من المعهود عنه أداء أي شعيرة أخرى حتى الصلاة، ولعلها قناعة شخصية لا ألزم بها سواي.
وأضيف واقول:
بجانب الصوم (في رمضان وسواه من الأشهر)، مما يسهم في سوق النفس وتهيئتها للتقوى الآتي:
1- أداء الصلوات الخمس في أوقاتها المفروضة دون تأخير.
2- أن يحرص المسلم على الطهارة بالوضوء وإن لم يكن الوقت وقت صلاة (ما أمكنه ذلك)، فإن لله نفحات تتغشى الطاهرين دون سواهم…
3- الحرص على تلاوة القرآن، إذ القرآن يسهم في تهيئة النفس و(تليين) قناتها للطاعة:
{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} الزمر 23.
4- التصدق بنية تزكية النفس.
5- بر الوالدين، وصلة الرحم، فكم في ذلك من فائدة.
هذا مايحضرني الآن، وبالطبع هناك الكثير مما يعين السالك في مدارج السالكين إلى التقوى.
ولابأس من أن يستعين المسلم بشئ من الرقائق، وهي مقولات موجزة لبعض العلماء (الحكماء) من الجوامع الكوامل، وأنصح بمقولات إبن القيم رحمه الله، وبمقولات الشافعي رحمه الله، وكذلك بما ورد في إحياء علوم الدين (المنقح) للغزالي رحمه الله، وكذلك ماورد عن الحسن البصري رحمه الله، وهنا قمن بي ان أنبه بأن يتحرى الناس عند الأخذ من (الحكم العطائية) لأبي عطاء الله السكندري رحمه الله، فالرجل رحمه ممن يؤمنون بوحدة الوجود وذلك اشتطاط مردود عليه رحمه الله، ولابأس من الأخذ عنه فيما لاعلاقة له بذلك.
وأختم ببعض الشواهد والأدلة التي تشي وتبين للمسلم نجاحه وتسنمه لمنزلة التقوى:
1- نجاعة الساعة البيولوجية في داخلك، ويتبين المسلم ذلك عندما يحس بموعد الأذان للصلوات قبيل رفعه بثوان، وقد يتجاوز الأمر ذلك فيشعر المسلم بقرب حدوث بعض الوقائع قبل مجيئها، وليس في الأمر علم بالغيب، فالعالم بالغيب هو الله وحده، لكنه نور يلقيه الله في قلب ووجدان (التقي) ليبصر به.
2- حب سماع القرآن وتلاوته، فكلما تبين المسلم في نفسه بعض الضيق من ذلك؛ فليعلم بأنه يحتاج أكثر إلى مجاهدة نفسه، ولكن ان لان قلبه واستشعر راحة عند سماع القرآن فليبشر بأنوار التقوى.
3- الأحلام والرؤى الَمنامية تكون أوضح في تفاصيلها، ويستطيع تفسيرها بنفسه دون عناء.
4- يجد نفسه أَمْيَلَ وأحب للذين ظاهرهم الخير والحرص على الطاعة من الناس، فالأرواح والقلوب في ذلك جنود مجندة كما ذكرت أمنا عائشة رضي الله عنها في الحديث الذي روته عن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: الأرواح جنودٌ مُجنَّدةٌ، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف.
5- الذي ينجح في مجاهدة نفسه وأطرها إلى درب الطاعة، يكون قد سار حثيثا على مدارج السالكين إلى عوالم التقوى، وإن حرص على عدم الإنتصار لنفسه خلال حراكه مع الناس؛ يتبين نصر الله له في الكثير من المواقف الحياتية مع الناس:
{إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} الحج 38.
اللهم اجعلنا ممن يصوم رمضان ايمانا واحتسابا لنكون من المتقين، انك ياربي ولي ذلك والقادر عليه.
وإلى مقال اليوم الرابع إن شاء الله.
adilassoom@gmail.com
كيف يسهم الصيام في تحقيق التقوى؟ خواطر رمضانية عادل عسوم ..30/3


