تحلّ الجمعة الأولى من الشهر الفضيل، فتضعنا أمام مرآة الضمير قبل أن تجمعنا في صفوف الصلاة. لحظةٌ تتجاوز الطقس إلى المعنى، وتستدعي سؤالًا مباشرًا: هل نملك شجاعة السمو عن صغائر الخلاف كما نملك حماسة الدفاع عن مواقفنا؟
رمضان ليس زمنًا للعبادة فحسب، بل مساحة لإعادة ترتيب الأولويات. مدرسةٌ تهذّب الانفعال، وتعيد الاعتبار لقيمة الحِلم، وتعلّمنا أن القوة الحقيقية تكمن في ضبط النفس لا في إطلاقها. وفي واقعٍ مثقل بالاستقطاب، يصبح هذا الدرس حاجة وطنية لا فضيلة فردية فقط.
سنواتٌ طويلة أرهقت السودان بالخصومات والاصطفافات، حتى تآكلت مساحات الثقة بين مكوناته الاجتماعية والسياسية. الخلاف مشروع، لكن تحويله إلى قطيعة دائمة خطرٌ يهدد أساس الدولة. هنا تتبدّى مسؤولية الجميع في رتق النسيج الاجتماعي الذي أصابته الشروخ قبل أن تتسع الفجوات ويصعب رتقها.
الميثاق المطلوب في هذه المرحلة ليس وثيقة مكتوبة، بل وعيٌ جماعي يُعيد تعريف العلاقة بين المختلفين. خطابٌ يُقدّم المشتركات على المفاصلات، ويستبدل منطق المغالبة بمنطق الشراكة. الحراك الوطني الرامي إلى رفعة البلاد وتحقيق المصلحة العامة لن ينجح في بيئة تتغذى على التخوين، ولا في مناخٍ تتقدّم فيه الحسابات الضيقة على الهدف الأكبر.
النخب السياسية، على اختلاف أطيافها، مطالبة بإعادة التموضع حول الممسكات الوطنية الجامعة: سيادة الدولة، وحدة التراب، كرامة المواطن، وترسيخ الاستقرار. تلك ثوابت لا تحتمل المزايدة، ولا يجوز أن تتحول إلى أوراق ضغط متبادلة. السياسة الرشيدة تُحسن إدارة التباين، وتُدرك أن الوطن لا يُدار بعقلية الغالب والمغلوب.
توحيد الصف مع القوات المسلحة ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة. مؤسسة وطنية بحجم الجيش تمثل ركيزة للاستقرار، وأي عبور آمن نحو المستقبل يقتضي تنسيقًا وتكاملًا لا تنافرًا وتشظيًا. فاليوم نحن أكثر حوجة لإرادة موحّدة تُدرك خطورة اللحظة التاريخية.
وهنا التحية واجبة للمرابطين في مناطق التماس بدارفور وجنوب كردفان؛ لدحر التمرد. أولئك الذين يواجهون قسوة الميدان بينما ينشغل غيرهم بسجالات المنابر وتحقيق مكاسب سياسية ومادية. صمودهم يحمّل الساسة وأصحاب القرار مسؤولية مضاعفة: أن يكون الأداء على مستوى التضحيات، وأن تتحول التضحيات إلى استقرار دائم لا إلى هدنة مؤقتة.
المجتمع بدوره شريك في صناعة المناخ العام. الكلمة الرشيدة تبني، والكلمة المنفلتة تهدم. الإعلام، والمثقفون، وقادة الرأي، جميعهم معنيون بإعلاء صوت الحكمة، وكبح خطاب الكراهية، وترسيخ ثقافة الحوار. الانحياز للتهدئة في زمن التوتر ليس ضعفًا، بل شجاعة أخلاقية لاستكمال بناء مؤسسات الدولة ومنحها شرعيتها.
السودان وطنٌ قويٌّ بتعدده، وغنيٌّ بموارده و تجربته التاريخية. إدارة هذا التنوع بوعي وعدالة تحوّله إلى مصدر قوة، بينما إساءة إدارته تجعله وقودًا للانقسام. درس الصوم في ضبط النفس يصلح أن يكون مدخلًا لضبط الخطاب، وتهذيب الممارسة السياسية، وتغليب المصلحة العامة.
كسرة:
واقع الحال في الميدان يقول إن الحرب في خواتيمها، وهنا لا بد أن نذكر بأن الوطن لا يحتاج إلى أبطال في الميادين وحدها، بل إلى حكماء في المنابر، إضافة إلى صدق النوايا، والشجاعة في محاربة الفساد، والإدراك بأن الطريق إلى المستقبل لا يُعبد بالشعارات العالية، بل بخطوات متزنة تعي أن السودان أكبر من أطماع عابرة، وأبقى من أي اصطفاف مؤقت.


