24.7 C
Khartoum
الثلاثاء, فبراير 24, 2026

عبقرية الترابي: حين تصبح الأفكار وطناً والاجتهاد منهج حياة… قلم وطني بقلم خالد المصطفى ا

إقرأ ايضا

في زحمة الجدل السوداني الدائر حول إرث الرجال وصناعة الأفكار، تبرز مفارقة كبرى تستحق التأمل: كيف استطاع د. حسن الترابي أن يخلق مدرسة فكرية تمتد عبر الأزمان، تستصحب معها أجيالها وأفكارها، بينما ظل غيره أسير تنظيمات تنطفئ بغياب قادتها؟ وكيف تحولت أفكار الرجل إلى “وطن” يحتضن الأتباع والمختلفين معاً، بينما بقيت تجارب الآخرين مجرد “كوادر” تبحث عن وطن؟ إنها معجزة الفكر الحي الذي لا يموت بموت صاحبه، ذلك الفكر الذي غزا القلوب قبل العقول، فصار الناس يرددون مقولاته وكأنها أمثال سائرة، من “لا تستحي من إعطاء القليل، فإن الحرمان أقل منه” إلى “السياسة فن الممكن قبل أن تكون علم المستحيل”، مروراً بعبارته الخالدة التي صارت دستوراً للحالمين: “نحن لا نصنع المستحيل، لكننا لا نقبل بأقل منه”. وهكذا يسري فكر الرجل في وجدان الأمة، كالنهر الذي لا ينضب، يروي كل من يقترب منه بفيض من الحكمة والبصيرة.

لقد كان د. حسن الترابي ظاهرة فريدة في تاريخ الفكر السياسي السوداني، بل والعربي والإسلامي. إنه ذلك العبقري الذي لا يتكرر في العالم، ذلك المفكر الموسوعي الذي استطاع أن يهدم جدران الجمود الفكري، وأن يفتح نوافذ الاجتهاد على مصراعيه، ليخلق حركة فكرية لا تموت بغيابه، بل تظل حية متجددة بأفكار أرساها وتلاميذ رباهم على مبدأ “رحم الله رجلاً أهداني عيوبي”. وقد تجلت عبقريته في مقولته الشهيرة: “الدين لا يتسوَّف لأنه هو الحياة لله عبر كل الظروف”، فهذه الكلمات صارت تتردد في الندوات والمحاضرات والمجالس الخاصة، يستلهمها الخطباء في منابرهم، والمعلمون في فصولهم، بل والنقاد في مراجعاتهم، لأنها تختصر فلسفة كاملة في التجديد ورفض الجمود. كما أن قوله “الإيمان ليس مجرد شعائر تؤدى، بل هو منهج حياة يغير الواقع” أصبح دستوراً لكل من أراد أن يجعل من دينه قوة دافعة للتغيير والإصلاح.

الفرق الجوهري الذي يميز مشروع الترابي الفكري أنه لم يكن مشروع “زعيم” بقدر ما كان مشروع “مؤسس”. هو لم يخلق أتباعاً يرددون أقواله كالأيقونات المقدسة في الإسلام، بل خلق تلاميذ يفكرون مثله، بل ويتجاوزونه أحياناً. وهذه هي العبقرية الحقيقية: أن تخلق عقولاً تحمل مشاعل الفكر، لا أيادياً تتحرك بالجمود. فالترابي تعامل مع الفكر ككائن حي يتطور وينمو ويتكاثر، وليس كنص مقدس يحفظ ويردد. لذلك نجد اليوم تياراً إسلامياً واسعاً ومتنوعاً في السودان، يحمل بصمات الترابي لكنه ليس صورة طبق الأصل عنه، وهذا هو سر الخلود الفكري. لقد كان يقول دائماً: “مهما يكن تاريخ السلف الصالح امتداداً لأصول الشرع، فإنه لا ينبغي أن يُوَقَّر بانفعال يحجب تلك الأصول”، وهذه المقولة صارت منهجاً لكل من أراد التجديد من بعده، وأصبحت تتردد في الأوساط الفكرية كتعبير عن رفض التقديس الأعمى للتراث.

أما من يدّعي اليوم أنه يستطيع أن يرث فكرة الترابي، أو يتبوأ مكانه، فليس عليه إلا أن يتأمل سيرة هذا الرجل التي امتلأت بالتناقضات الظاهرية التي شكلت في النهاية لوحة فسيفسائية متكاملة. لقد جمع الترابي بين الأصالة والمعاصرة، بين المحافظة والتجديد، بين الدين والسياسة، بين الفكر والعمل. هذا المزيج الفريد لا يصنع في المعامل السياسية الجاهزة، ولا ينتج في المدارس الحزبية التقليدية، إنه نتاج عمر كامل من القراءة والتأمل والتجريب والاجتهاد. وقد عبّر عن هذه الفلسفة بقوله الشهير: “التوحيد ليس مفهوماً كلامياً تجريدياً، وإنما هو فكرة حية يغذيها جهد عملي، وسيرٌ متصل إلى الله تعالى لا يعرف التوقف”، وهي كلمات صارت تتردد في أوساط الشباب الطامح للتغيير، تذكرهم بأن الفكر بدون عمل جسد بلا روح.

لقد تميز الترابي بدقة تنظيمية وسرية عالية في بناء حركته، حيث خلق من أتباعه قوة صلبة لا يمكن اختراقها لعقيدتها الراسخة وإيمانها العميق بفكرتها. لقد خطط بعناية فائقة، وكان يقول بصراحة: “حددنا نحو 10 إلى 20 سنة للتخطيط”، وكتب “مذكرة سرية للوصول”، وتحدث عن “البدء منذ مرحلة مبكرة في الدخول”. هذه الصراحة المذهلة في الاعتراف بالمنهج تعكس ثقة في الفكرة وإيماناً بأن الغايات الكبرى تحتاج إلى تخطيط طويل الأمد، وهو ما جعل تنظيمه عصياً على الاختراق، لأن من دخلوا فيه آمنوا بالفكرة قبل القائد، وبالمبدأ قبل المنصب. وقد عبّر عن هذه الفلسفة بقوله: “لا بأس أن تكون انتهازياً في السياسة وتستغل الفرص السانحة”، في إشارة إلى الذكاء السياسي الذي يميز بين المرونة المطلوبة والثبات على المبادئ، وهذه المقولة صارت تدرس في حلقات النقاش السياسي كدرس في فن إدارة الحركات.

لقد كان اليسار السوداني، كما ورد في التحليل، أسير “الكهنوت الفكري” والنصوص الجامدة، فأنتج “كوادر منضبطة” تنتظر التعليمات. بينما أنتج الترابي “عقولاً مجتهدة” تصنع الأفكار. وهذه هي المعضلة الحقيقية التي تواجه أي مشروع فكري يرث التراث الترابي: كيف يمكن الاستمرار في منهج الاجتهاد والتجديد دون الوقوع في فخ الجمود الذي سقط فيه الآخرون؟ كيف يمكن الحفاظ على “روح الترابي” دون تحويلها إلى “قوالب جامدة”؟ لقد كان الترابي يدرك هذا التحدي مبكراً، فقال كلمته الشهيرة عن أهمية المراجعة والتقييم الذاتي، داعياً إلى قراءة التجربة الإسلامية بعين ناقدة تستخلص العبر وتتجاوز الأخطاء، لأن الوعي بالخطأ هو بداية الطريق إلى الصواب.

وإذا أردنا أن نوجه رسالة إلى أولئك الذين تاهوا عن طريق الفكر الأصيل، فإلى قادة تحالف الحرية والتغيير الجناح السياسي لمليشيا الدعم السريع الإرهابية، وإلى محمد بن زايد الذي راهن على هذه المليشيا ودعمها بالمال والسلاح، وإلى مليشيا الدعم السريع الإرهابية نفسها التي تحرق الأرض وتقتل الأبرياء، نقول لهم: لقد خنتم عقيدتكم التي تدّعون، فمن يدّعي تحرير الإنسان ثم يساند مليشيات تذبح الأطفال وتغتصب النساء وتهجر الملايين، يكون قد أعلن إفلاسه الأخلاقي قبل السياسي. ومن يتغنى بالديمقراطية ثم يدعم في الخفاء من يسحقونها بأقدامهم، يكون قد فضح زيفه وسقط من عين التاريخ. ومن يظن أنه بماله وسلاحه يستطيع شراء السودان وأهله، فعليه أن يتذكر أن الأمم التي تؤمن بعقيدتها لا تُقهر، وأن من راهن على المليشيات فأكلته قبل أن يأكل بها، ومصير كل من دعم الإرهاب سيظل وصمة عار في جبينه. لقد راهنتم على الفكر المستورد فخانكم، وراهنتم على المال فانقلب عليكم، وراهنتم على المليشيات الإرهابية فأحرقتكم قبل أن تحرقوا بها السودان. أما مشروع الترابي فكان مختلفاً، لأنه قام على عقيدة راسخة لا تشترى بالذهب، وعلى فكر أصيل لا يستورد من الخارج، وعلى رجال يموتون ولا يتغيرون، لا على مرتزقة يغيرون ولاءهم مع تغير المزود. لقد فضح الزمن ادعاءاتكم، وكشف أن من يدّعي تحرير الوطن وهو يحتضن قاتليه، ما هو إلا تاجر أوهام سيذكر التاريخ أنه وقف في صف الباطل حين احتدم الصراع بين الحق والعدل والكرامة الوطنية.

ثم نتساءل: لماذا تحارب دويلة الشر الإماراتية، الوكيل الحصري للعدو الإسرائيلي عربياً، فكر وعبقرية الترابي؟ لماذا تتحول آلة المال والإعلام الإماراتي إلى سيف مسلط على مشروع فكري إسلامي أصيل، بينما تفتح ذراعيها للتطبيع مع كيان يحتل المسجد الأقصى ويهود القدس؟ هنا تكمن المفارقة التاريخية التي تفضح زيف الأدعاءات: دويلة الشر الإماراتية التي تتغنى ظاهرياً بالإسلام وتنشر المساجد وتستضيف علماءه على استحياء، هي ذاتها التي وقعت اتفاقية التطبيع مع إسرائيل في 13 أغسطس 2020، في خيانة عظمى للقضية الفلسطينية وللأمة الإسلامية جمعاء، ووصفها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بأنها “خيانة عظمى ومكافأة كبرى لجرائم المحتلين الصهاينة بالقدس الشريف”. وهي ذاتها التي تمول وتسلح مليشيا الدعم السريع الإرهابية التي تحرق السودان وتقتل أبناءه، وتدير معسكرات تدريب في إثيوبيا بدعم لوجستي وعسكري إماراتي، لتمزيق السودان والقضاء على أي مشروع نهضوي إسلامي فيه. لقد أدركت دويلة الشر الإماراتية أن فكر الترابي يشكل خطراً وجودياً على مشروعها التدميري في المنطقة، لأن عبقرية الترابي تقوم على رفض التبعية، وعلى استقلالية القرار الإسلامي، وعلى مشروع النهضة الذي يحرر الإنسان من الهيمنة الخارجية. لذلك تحارب دويلة الشر الإماراتية هذا الفكر ليس لأنه إرهابي كما تدّعي، بل لأنه نقيض مشروعها الإرهابي الحقيقي: مشروع تفتيت الأوطان، ونهب الثروات، والتطبيع مع العدو، وتصفية القضية الفلسطينية. إن دويلة الشر الإماراتية التي تدّعي الإسلام علانية، هي في العمق أداة لتفريغ الإسلام من محتواه التحرري، وتحويله إلى مجرد طقوس وشعارات لا تزعج العدو الصهيوني ولا تهدد مشاريع الهيمنة. ومن العجيب المفارق أن الرجل الدكتور حسن الترابي الذي شارك في وضع دستور الإمارات العربية المتحدة نفسه، ها هو فكره اليوم يُحارب من قبل من استفادوا من دستوره، لأنه أدرك أن مشروعهم لم يعد مشروع نهضة، بل مشروع هيمنة وتدمير. وهل يكافئ من وضع لهم الدستور أن يُحارب فكره ويُطارد أتباعه؟ أم أن الوفاء معدوم حتى مع من أسس كيانهم وصاغ دستورهم؟ إنها الخيانة بعينها: أن تدين من أحسن إليك، وأن تحارب من بنى مجدك.

وعند الحديث عن من يخلف الترابي في المستقبل، فإن تحليل الشارع السوداني والنخب السياسية يميل إلى ترشيح شخصيات بعينها ممن حملوا لواء الفكر الإسلامي المستنير، وفي مقدمتهم الأستاذ إبراهيم السنوسي الذي تولى الأمانة في مرحلة دقيقة، ويمثل نموذجاً للقيادة الهادئة التي تجمع بين العمق الفكري والمرونة السياسية، إضافة إلى دكتور علي الحاج الذي يتمتع بثقل فكري وتاريخي في الحركة الإسلامية، وكمال عمر الذي يُعرف بقربه من الفكر الترابي وتأكيده على أن “أفراد الحزب تجمعهم فكرة وليست وزارة أو رئاسة”. كما يبرز اسم التيجاني عبد القادر كأحد أبرز المفكرين المقربين من المدرسة الترابية، إلى جانب شخصيات شابة بدأت تفرض نفسها في الساحة الفكرية والسياسية. لكن التحدي الأكبر أمام هؤلاء جميعاً هو الحفاظ على منهج الاجتهاد والتجديد في عالم متغير، والقدرة على استيعاب التحولات دون تفريط في الثوابت.

في الختام، يبقى د. حسن الترابي علامة فارقة في تاريخ السودان، ليس فقط بما قدمه من أفكار تجديدية هزت الجمود الفكري، بل بما تركه من منهج متكامل في فهم الدين والتعامل مع الواقع، منهج يقوم على استحضار روح الإسلام لا جموده، وعلى تفعيل مقاصده لا حرفية نصوصه. لقد علمنا الترابي أن الفكرة العظيمة لا تموت بموت صاحبها، بل تظل خالدة في تلاميذه وأتباعه، وفي كل من يؤمن بأن الاجتهاد باب مفتوح لا يُغلق، وأن المراجعة ليست خيانة بل هي عين الصدق مع النفس ومع التاريخ. لقد كان جريئاً في التفكير، شجاعاً في المراجعة، كريماً في الاختلاف، وهذه هي الخصال التي تجعل من المفكرين منارات هدى في أمتهم، ليس بالعصمة، بل بالصدق والإخلاص لما يؤمنون به. ومن يرث فكرة الترابي حقاً هو من يستطيع أن يواصل مسيرة الاجتهاد والتجديد، وأن يخلق جيلاً من المفكرين لا جيلاً من المقلدين، جيلاً يحمل هموم الأمة ويبحث عن حلول لها في ضوء الثوابت والمتغيرات، جيلاً لا يخاف من الوقوع في الخطأ بقدر ما يخاف من الجمود والتقليد الأعمى. لأن الأفكار العظيمة لا تورث، بل تحتاج إلى عقول عظيمة تحملها وتطورها، وتصوغها في قوالب جديدة تناسب كل عصر ومكان، وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه السودان اليوم. فالترابي لم يترك لنا إرثاً جامداً نتباهى به، بل ترك لنا منهجاً حياً نستلهم منه في مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل، وترك لنا مسؤولية الاستمرار في بناء صرح الفكر الإسلامي المستنير الذي لا يعرف الجمود ولا الانغلاق. وقد ترك لنا الترابي وصيته في كلمته الخالدة التي تتردد في كل مناسبة: “إن للإيمان فرائض وشرائع وحدوداً وسنناً، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان”.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة