بينما تُلقي الحرب بظلالها الثقيلة على الحاضر، ينهض من قلب الرماد تساؤل جوهري: مَن سيبني سودان الغد؟ إن الإجابة لا تكمن في صفقات التمويل أو مخططات العمران الصماء فحسب، بل في رأس المال البشري الذي يمثل الوقود الحقيقي لأي نهضة. ومن هنا، تبرز ضرورة وجود مشروع قومي جامع، يتجسد في “الأكاديمية السودانية الوطنية للتدريب”، لتكون منصة انطلاق للشباب السوداني، وبخاصة أولئك الذين صهرتهم تجربة اللجوء والنزوح في مصر، تحويل محنة الحرب إلى قوة دافعة للبناء.
لا تهدف الأكاديمية المقترحة إلى تقديم دورات تدريبية تقليدية، بل تسعى لصياغة عقد اجتماعي ومؤسسي جديد. رؤيتها ترتكز على بناء قيادات وطنية قادرة على قيادة التحول المجتمعي والمؤسسي، ونشر قيم الابتكار والتكامل. إن الهدف هو جعل السودان رقماً صعباً في المعادلة الإقليمية والدولية عبر بوابة “القوة الناعمة” المتمثلة في كوادره المؤهلة.
الرسالة الجوهرية بتطوير الخدمة المدنية وإعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة عبر دماء شابة تتقن فنون الإدارة الحديثة، وبناء الوعي الوطني بغرس مفاهيم المواطنة والتنمية المستدامة كركيزة لإعادة الإعمار، بالاضافة الى الريادة الإقليمية بتحويل الأكاديمية إلى وجهة تدريبية رائدة تجذب الخبرات وتصدر المعرفة.
لضمان نجاح هذه الأكاديمية، يجب أن تُبنى على أسس صلبة بعيدة عن أمراض المحسوبية التي أقعدت مؤسساتنا طويلاً. إن الاستراتيجية المقترحة تعتمد على الإختيار الموضوعي واعتماد معايير قياس دقيقة لاختيار المتدربين، تضمن وصول الأكفأ والانفع لمستقبل الدولة باستخدام التكنولوجيا والرقمنة ودمج الذكاء الاصطناعي في المناهج وأساليب التقييم، لمواكبة متطلبات العصر الرقمي، وضرورة الشراكات الدولية والانفتاح على المؤسسات العالمية المرموقة لتبادل الخبرات، مما يختصر الزمن في نقل المعرفة الحديثة.
يمثل الشباب السوداني المتواجد في مصر حالياً فرصة ذهبية لا ينبغي هدرها. هؤلاء الشباب، وتفاعلهم مع مجتمع ديناميكي وخبرات متنوعة، يمثلون “قوة احتياطية” جاهزة للعودة والمشاركة في “حكومة الأمل”. الأكاديمية يجب أن تكون الجسر الذي يربطهم بأولويات الدولة التنموية، وتزويدهم بالمهارات الفنية والقيادية التي تجعل منهم “مهندسي التغيير” في مرحلة ما بعد الحرب.
إن الاستثمار في الإنسان هو الضمانة الوحيدة لاستدامة الأثر التدريبي. فبناء جهاز إداري مرن وقادر على تنفيذ السياسات العامة بكفاءة، يتطلب صبراً ومثابرة في نقل المعرفة. الأكاديمية ستعمل كحاضنة لخبرات متراكمة، تدمج بين حكمة الرواد وحماس الشباب، لتخلق تياراً وطنياً جارفاً نحو التحديث.
“إن معركة إعادة الإعمار ليست معركة أسمنت وحديد، بل هي معركة عقول وإرادة؛ والأكاديمية الوطنية هي مصنع هذه العقول.”
إن إنشاء الأكاديمية السودانية الوطنية للتدريب ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة حتمية تفرضها ظروف المرحلة. هي دعوة لكل الفاعلين والمؤسسات لدعم هذا التوجه، لنثبت للعالم أن السودان، برغم الجراح، قادر على صناعة مستقبله بأيدي أبنائه المتسلحين بالعلم والقيادة.


