ما سأبوح به لكم الآن قد لا تبثه الفضائيات الرسمية ولا وكالات الأنباء التقليدية، فالأرض العربية والإقليم المجاور يمران بساعات هي الأعنف في مسيرتهما المعاصرة، حيث تحول مشهد الصواريخ وهي تنهمر على معسكرات أمريكية في مياه الخليج إلى احتمال واقعي يتجاوز خيال الاستراتيجيين في واشنطن، بينما يتراجع الرئيس ترامب عن تهديداته بمسح قطاع غزة والجمهورية الإسلامية عن الخريطة، ليس خوفاً من الهتافات ولا من تصريحات الإدانة والاستنكار، بل لأن الأجهزة العميقة في وزارة الدفاع وضعت على طاولته وثائق عسكرية سوداء تكشف حقيقة مرة: موازين القوى تبدلت جذرياً، والعتاد الصيني السري الذي رست حمولته في مضيق هرمز قلب الطاولة على الكل، فأصبح الخطر الداهم يهدد حاملات الطائرات الأمريكية التي طالما أرعبت منها إيران.
لننظر بداية إلى الصورة من داخل العمق الأمريكي، فالفريق أول دان كين رئيس الأركان قال لترامب بالنص: “سيدي الرئيس، إيران ليست فنزويلا وليست ليبيا، إن دخلنا هذه المعركة فلن نخرج منها إلا وقد سحبنا ذيول الهزيمة كما جرى في فيتنام”، وتأملوا أن الجيش الأمريكي الذي يوصف بأنه الأقوى عالمياً يشهد عصياناً معلناً، فمجلس الشيوخ رفع البطاقة الحمراء بوجه ترامب وأبلغه بأنه ممنوع إطلاق رصاصة واحدة دون تفويض الكونغرس، بل إن حاكم ولاية كاليفورنيا أعلن تمرّداً مفتوحاً ضد أي تعبئة عسكرية محتملة، وهكذا يجد ترامب نفسه مطوّقاً من كل صوب، حتى داخل حزبه الجمهوري المنشق على ذاته، حيث صرخ نائبه جي دي فانس في وجهه قائلاً: “هذه حرب إسرائيل، دع إسرائيل تخوضها وحدها، نحن لا نريد خسارة شبابنا من أجل الآخرين”، إنها الحقيقة التي يسعون لإخفائها عن الجمهور، لكن السؤال الأهم يظل: لماذا كل هذا الرعب والتردد اليوم؟ هل هي اعتبارات سياسية داخلية فحسب؟ كلا يا سادة، إنها لغة السلاح التي لا تعترف إلا بمنطق القوة.
فقد أفادت استخبارات غربية عن وحش صيني جديد وصل إلى الأسطول البحري الإيراني، ويتعلق الأمر بصواريخ كروز بحرية أسرع من الصوت بعدة أضعاف، ويصل مداها الفعّال إلى حوالي 300 كيلومتر، لكن الدهشة الحقيقية تكمن في نظام الإطلاق العمودي الذي جهزت به هذه الصواريخ، والذي يمكنها من تغطية زاوية 360 درجة والقدرة على المناورة بما يحبط أي محاولات اعتراض، فهل تدركون مغزى هذا؟ إن حاملة الطائرات “يو إس إس فورد” التي تتفاخر بها أمريكا كأضخم وأحدث حاملة طائرات في العالم، باتت مجرد نعش عائم في عرض البحر، فصاروخ واحد من هذه المنظومات الصينية الصنع كفيل بإغراق مليارات الدولارات في لحظات معدودة، ويؤكد مختصون عسكريون أن هذه الصواريخ تمتلك باحثاً متعدد الأطياف يجعلها منيعة أمام أنظمة التشويش الإلكتروني الأمريكية، مما يعني أن المعادلة تبدلت جذرياً في مياه الخليج ومضيق هرمز.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إن صواريخ “فيربا” الروسية المحمولة على الكتف باتت الآن في أيدي المقاتلين المجهزين لمواجهة أي عدوان، وهذه الصواريخ التي دخلت الخدمة في الجيش الروسي عام 2014 تمثل قفزة نوعية في أنظمة الدفاع الجوي الفردية، فهي تمتلك باحثاً ثلاثي القنوات متعدد الأطياف يعمل بالأشعة فوق البنفسجية والأشعة تحت الحمراء متوسطة وقصيرة المدى، ما يمكنها من التمييز بين الهدف الحقيقي والشراك الخداعية التي تطلقها الطائرات لتضليل الصواريخ، ومع نظام تحكم آلي متكامل يربطها برادارات الإنذار المبكر، فإن أي مسيرة إسرائيلية أو مروحية أمريكية ستتحول إلى ركام بمجرد أن تفكر في اختراق الأجواء، وهذه الترسانة الدفاعية المتطورة تأتي تتويجاً لسنوات من الاستعداد الإيراني الذي لم يكن نائماً، بل كان يعد العدة ليوم الحسم الذي بات وشيكاً.
وفي هذا الإطار، يكشف مصدر خليجي رفيع المستوى عن حقيقة مرة يعيشها النظام الإقليمي برمته، فالمسؤول الخليجي الكبير قالها بمرارة واضحة: “لو ضربت إيران محطات التحلية سنموت من العطش”، وهذه ليست مجرد ديباجة خطابية، بل هي حقيقة علمية وهندسية، فما نسبته 90% من مياه الشرب في دول الخليج تأتي من تحلية مياه البحر، فلا أنهار هناك ولا آبار تكفي لتأمين الاحتياجات السكانية والصناعية، وهذه المحطات الضخمة أصبحت الآن تحت رحمة الصواريخ الإيرانية التي يمكنها الوصول إليها بدقة متناهية، بل إن التقديرات تشير إلى أن استهداف ثلاث محطات رئيسية فقط كفيل بقطع المياه عن أكثر من 15 مليون نسمة في غضون 72 ساعة، وهي كارثة إنسانية وبيئية لا يمكن تصور عواقبها على استقرار المنطقة برمتها.
أما على صعيد الطاقة العالمية، فإن العالم بأسره يستعد لسيناريو مجاعة نفطية لم يشهد لها مثيلاً منذ حظر النفط في سبعينيات القرن الماضي، فالمعطيات المتوفرة تشير إلى أن أسعار النفط قد تقفز إلى 500 دولار للبرميل إذا ما امتدت رقعة المواجهة العسكرية إلى مضيق هرمز، ذلك الشريان المائي الذي يمر عبره نحو ثلث الإنتاج النفطي العالمي المنقول بحراً، وفي هذا الإطار، فإن الرسائل العسكرية التي أرسلتها طهران عبر اختبار صاروخ “صياد 3-جي” في مضيق هرمز قبل أيام قليلة كانت واضحة ولا تحتمل التأويل، فهذا الصاروخ القادر على إنشاء مظلة دفاع جوي بقطر 300 كيلومتر حول الوحدات البحرية يمثل رسالة تحدٍ صريحة لكل الأساطيل الأمريكية والإسرائيلية المنتشرة في المنطقة.
وإذا كانت هذه هي معطيات المشهد العسكري، فإن السؤال المصيري يطرح نفسه بقوة: ما مصير العالم ومصير دويلة الشر الإماراتية وسائر الدول العربية في ضوء هذه المتغيرات الدراماتيكية؟ التوقعات المحتملة تشير إلى أن العالم مقبل على إعادة تشكيل جذري للتحالفات الدولية، فالدول التي راهنت على الهيمنة الأمريكية الأحادية ستجد نفسها عاجزة عن حماية مصالحها في ظل التوزيع الجديد للقوة، أما دويلة الشر الإماراتي التي راهنت على دعم مليشيا الدعم السريع الإرهابية ونهج سياسة التقسيم والتمرد في اليمن والسودان والصومال، فستجد نفسها معزولة عن محيطها العربي، مكشوفة أمام ردود الفعل الشعبية الغاضبة التي لن ترحم من راهن على دماء العرب ومقدراتهم لصالح مشاريع الكيان الصهيوني ، وتشير التطورات الميدانية إلى أن هذه الدويلة باتت مكشوفة أمام العالم بعد أن فضحت الأحداث دورها الحقيقي في زعزعة استقرار المنطقة عبر دعم المليشيات الانفصالية وفتح موانئها لخدمة العدوان على غزة، بينما الدول العربية التي حافظت على ثوابتها الوطنية ودعمت قضايا أمتها، مثل مصر بقيادة الرئيس السيسي التي رفضت مخططات التهجير وقدمت مشروعاً عربياً متكاملاً لإعمار غزة دون تهجير أهلها، ستخرج من هذه المعركة أقوى وأكثر تماسكاً ، أما السعودية التي تسعى لاستعادة التوازن الإقليمي ودعم مسار الدولة والشرعية، فإنها تواجه اختباراً تاريخياً في كيفية التعامل مع دول الجوار التي راهنت على الفوضى والانفصال، والتاريخ وحده سيكون حكماً فاصلاً بين من اختار البناء ومن راهن على الهدم .
في الختام، يمكن القول إن المعادلة الإقليمية دخلت مرحلة جديدة كلياً، فما كان يعتبر حتى وقت قريب تفوقاً عسكرياً غربياً لا يقبل المنافسة، أصبح اليوم موضع شك وتساؤل بعد وصول هذه الأسلحة النوعية التي تقدمها الصين وروسيا كهدية استراتيجية للمحور المناوئ للهيمنة الأمريكية، ويبدو أن ترامب الذي اعتاد على لغة التهديد والوعيد وجد نفسه فجأة أمام معادلة صفرية: إما الحرب التي قد تكلفه رئاسته وتاريخه وحتى حياة جنوده، أو التراجع الذي سيصوره خصومه ضعفاً وهزيمة، وما بين الخيارين، يبدو أن البيت الأبيض يفضل التصعيد التدريجي المحسوب، لكن السؤال الذي يبقى معلقاً: هل تستطيع آلة الحرب الأمريكية استيعاب صدمة هذه الأسلحة الجديدة؟ أم أن المنطقة على موعد مع حرب لن تبقى ولن تذر كما يتوقع الجنرالات في البنتاغون الذين يقرأون التقارير السوداء بخوف وترقب؟


