منذ أن اندلعت الحرب اللعينة التي أشعلتها المليشيا ضد الجيش والشعب السوداني لم تعد البلاد كما كانت تمددت المأساة في كل اتجاه وتكاثرت الروايات حتى بدت وكأنها مشاهد من خيال اعتقالات عشوائية واغتصابات ممنهجة قتل خارج القانون وتشريد بالملايين والنهب والسلب الذي طال البيوت والشركات والمصانع والمحالات التجارية وحتى المستشفيات، لكن وسط هذا الركام الهائل من الجرائم ظل ملف خطير طي الكتمان يتوارى خلف ضجيج المعارك والدخان الكثيف إنه ملف الإخفاء القسري فهو ليس مجرد اعتقال بلا سند قانوني بل هو جريمة مركبة تبدا بالاختطاف ولا تنتهي إلا بكشف المصير ، مئات الأسر السودانية لا تزال حتى اليوم تعيش بين رجاء ويأس تبحث عن ابن خرج ولم يعد أو أب اختطف من منزله ولم يعرف له أثر أو شاب اعتقل عند ارتكاز فابتلعته العتمة ثلاثة أعوام مضت ولا تزال الأسئلة معلقة أين هم؟ من يحتجزهم؟ وهل ما زالوا أحياء؟
بعض الإجابات بدأت تتكشف مع تقدم القوات المسلحة وتحريرها لمدن وقرى كانت تحت سيطرة المليشيا هناك في الاعتقال والغرف المغلقة والمنازل المحولة إلى معتقلات عثر على ناجين يصعب التعرف عليهم ، أجساد هزيلة أقرب إلى هياكل عظمية عيون غائرة آثار تعذيب واضحة شهادات تقشعر لها الأبدان عن تجويع متعمد ومنع للماء وضرب وإهانات ممنهجة.
كانت تلك الصور وحدها كافية لتأكيد أن ما جرى لم يكن تجاوزات فردية بل سياسة رعب من قبل جماعة منزوعة منها الرحمة.
في مساء الجمعة الماضية أعاد فيلم ”
خرج ولم يعد” الذي بثته قناة الجزيرة فتح هذا الجرح النازف العمل الاستقصائي لم يكتف بسرد القصص بل ذهب أبعد من ذلك باحثا في خريطة توزيع المعتقلات والسجون السرية التي أقامتها المليشيا في المدن والقرى التي احتلتها كشف الفيلم شبكة من أماكن الاحتجاز غير المعلنة بعضها داخل أحياء سكنية وأخرى في مرافق خدمية حولت إلى زنازين.
“خرج ولم يعد” لم يكن مجرد عنوان درامي بل وصفا دقيقا لمصير مئات المدنيين الفيلم عرض شهادات حصرية لضحايا نجوا من الاعتقال وروى ضباط منشقون عن المليشيا تفاصيل صادمة عن آليات الاحتجاز وأساليب التعذيب وتطرق إلى وقائع اغتصاب واعتقالات تعسفية وقتل خارج إطار القانون.
الأهم من ذلك أنه طرح السؤال الذي ظل يتردد في بيوت السودانيين من المسؤول عن اختفاء هؤلاء ومن سيحاسبه
القيمة الحقيقية لهذا العمل لا تكمن فقط في جرأته بل في توقيته بعد ثلاث سنوات من الحرب ومع تراكم التقارير الحقوقية والاتهامات الدولية يأتي هذا التحقيق ليقدم مادة موثقة بالصوت والصورة يمكن أن تشكل أساسا قانونيا لمساءلات قادمة.
إن توثيق الجريمة خطوة أولى في طريق العدالة وأي محاولة لتجاهل هذه الأدلة ستكون مشاركة ضمنية في طمس الحقيقة.
التحية هنا واجبة لكل الفريق الذي أنجز هذا العمل ولشركة زمزم للإنتاج الفني والإعلامي وللمخرجين حمزة الأمين ومحمد جميل وللمنتج التنفيذي المبدع الذي رفد الساحة الإعلامية بالكثير الممتع المبدع حامد عثمان حامد الذين نقلوا القضية من دائرة الهمس إلى فضاء العلن فلقد كسروا حاجز الصمت حول ملف ظل مسكوت عنه وأعادوا الاعتبار لعائلات تبحث عن إجابة ولو كانت مؤلمة.
لكن السؤال الأكبر يظل مطروحا هل ستتعامل المنظمات الحقوقية والعدلية الدولية مع هذا التحقيق بوصفه وثيقة معتمدة في مسار التقاضي والمحاسبة أم أنه سيلقى مصير تقارير كثيرة سبقت وضعت في الأدراج بينما يستمر الإفلات من العقاب؟
إن تصنيف الجرائم وتحديد المسؤوليات واتخاذ مواقف حاسمة لم يعد ترفا سياسيا بل ضرورة أخلاقية وإنسانية فالإخفاء القسري جريمة لا تسقط بالتقادم لأنها تبقي الضحية معلقة بين الحياة والموت وتترك الأسرة رهينة الانتظار،نحتاج اليوم الى كشف مصير كل مفقود ومحاسبة كل من تورط في خطفه أو تعذيبه أو التستر على جريمته.
قد يكون”خرج ولم يعد”بداية مسار جديد في معركة الحقيقة فحين تروى القصة كاملة وتكشف الخرائط وتسمع الشهادات يصبح الصمت مستحيلا. والبلاد التي تريد أن تنهض من تحت الركام لا بد أن تواجه ماضيها بلا مواربة.
ولنا عودة.


