23.9 C
Khartoum
الأحد, مارس 1, 2026

وجه الحقيقة | ابراهيم شقلاوي …صمود السودان و هندسة الشرق الأوسط !

إقرأ ايضا

أمس ومع الضربة العسكرية الأمريكية ضد إيران وما أعقبها من هجوم إيراني بالصواريخ والمسيرات على إسرائيل والقواعد الأمريكية، شكل ذلك بداية مرحلة جديدة في الشرق الأوسط، مرحلة قد تعيد رسم خرائط النفوذ. يدخل المنطقة مرحلة إعادة هندسة قسرية، يُختبر فيها صمود الدول وقدرتها على حماية مصالحها، وتعيد القوى الكبرى ترتيب أوراقها وفق مصالح استراتيجية، مع مخاطر من انزلاق التصعيد إلى مواجهة شاملة.

إيران بصمودها وقدرتها على الرد العسكري، تمثل حجر الزاوية في موازين القوى الإقليمية ، فهي تمنع ترك الفراغ الاستراتيجي مفتوحًا أمام التفرد الأمريكي الإسرائيلي. أي انهيار لإيران سيترك اليد الطولي لإسرائيل، مما يعيد هندسة المنطقة وفق مصالح معلومة ويقلص هامش الحضور العربي والإقليمي. في هذا السياق، يصبح الحفاظ على توازن القوى أمرًا مهمًا، ليس لمصلحة إيران وحدها، بل لضمان عدم انقلاب موازين المنطقة بالكامل لصالح أطراف طامعة على حساب الآخرين.

وفي قلب هذه التغيرات الإقليمية، يكتسب السودان أهمية خاصة. منذ محاولة اختطاف الدولة عبر مليشيا الدعم السريع في 15 أبريل 2023، نجح الجيش السوداني في قلب الموازين لصالح الدولة، مستعيدًا مركز الثقل في الخرطوم والجزيرة وأجزاء واسعة من كردفان، وإعادة نشاط مجلس الوزراء إلى العاصمة. هذه الانتصارات تعكس قدرة السودان على تثبيت الدولة، وحماية مواردها ومؤسساتها، مما يجعله عنصرًا فاعلًا ضمن وتوازنات المنطقة الجديدة.

الشواهد التي تؤكد تفكك الدعم السريع يعزز هذا التحول، فهو مؤشر على أن القوة التي كانت تهدد الدولة بدأت تفقد زخمها وقدرتها على المناورة. هذا الانهيار يفتح أمام الخرطوم نافذة مهمة لاستعادة المبادرة، ويجعلها أكثر قدرة على مواجهة أي ضغوط إقليمية أو محاولات للتدخل الخارجي.

في هذا الاطار ، يُعاد طرح سؤال مهم حول موقع الحركات ذات المرجعية الإسلامية في الإقليم. فمع كل محاولة لإعادة توزيع النفوذ، تبرز قوى اجتماعية وسياسية تسعى إلى حماية استقلال القرار الوطني ومنع انفراد أي محور بتحديد مصير المنطقة. غير أن فعالية أي تيار سياسي – إسلاميًا كان أم غيره – تبقى رهينة بقدرته على العمل ضمن دولة مؤسسات مستقرة، لا عبر منطق الاستقطاب أو الصراع، بما يتيح لشعوب المنطقة الحفاظ على القرار السيادي لبلدانهم، كما كشفت تجارب الربيع العربي.

هذا الواقع يفرض على الدول الصديقة للسودان مسؤولية عاجلة: تقديم الدعم للخرطوم في إكمال طي ملف الحرب، بما يتيح له استعادة كامل سيطرته علي البلاد. نجاح السودان في تثبيت الدولة وإفشال مخططات اختطاف السلطة عبر مليشيا الدعم السريع ليس مجرد إنجاز محلي، بل يمثل نموذجًا يُحتذى به في مقاومة محاولات السيطرة والنفوذ الإقليمي.

دعم الدول الصديقة لا يقتصر على المساعدة الإنسانية أو الدبلوماسية، بل يشمل توفير ضمانات سياسية وأمنية تمكن السودان من استعادة قوته ودوره المؤثر في توازنات البحر الأحمر والقرن الإفريقي، بما يحمي مصالح شعوبه ويعزز استقرار الشرق الأوسط ككل.

الربط بين صمود السودان وصمود إيران يوضح معنى “هندسة الشرق الأوسط”: الدول التي تثبت مركزها الداخلي وتنجح في إدارة مؤسساتها ومكوناتها السياسية تصبح الأكثر قدرة على حماية مصالحها وموقعها الاستراتيجي، بينما الدول الضعيفة تتحول إلى ساحات صراع بالوكالة.

السودان بإفشال مشروع اختطاف الدولة واستعادة المبادرة، يُظهر كيف يمكن للفاعلين المحليين أن يكون لهم وزن ملموس في إعادة هندسة موازين القوى العسكرية والسياسية ،و تثبيت الدولة وفرض قواعد التعاقد الداخلي.

نجاح السودان في استعادة السيطرة على مؤسسات الدولة، وتفكيك الدعم السريع ، وتحقيق توازن بين مختلف القوى السياسية، يمكّنه من تحويل المكاسب العسكرية إلى استقرار سياسي دائم، بما يحمي الشعب والموارد ويُعيد بناء العقد الاجتماعي الذي انهار جزئيًا خلال السنوات الماضية. في الوقت نفسه، يمنع ترك الفراغ لأي قوة خارجية أو مليشيا مسلحة من استغلاله لإعادة إنتاج النزاع أو فرض تسوية خارج الدولة والسيادة .

ومع ذلك، فإن القراءة السياسية تظل حذرة من إعلان الحسم النهائي. فبقاء دارفور مسرحًا مفتوحًا للعمليات يعني أن الحرب لم تغلق فصلها الأخير بعد، وأن ما تحقق حتى الآن هو انتقال نوعي من مرحلة تهديد بقاء الدولة إلى مرحلة استعادة المبادرة، وهي مرحلة متقدمة لكنها ليست خط النهاية.

ضمن سياق “هندسة الشرق الأوسط” المحتملة، يكتسب هذا التحول السوداني دلالة إضافية. فالدول التي تنجح في تثبيت مركزها الداخلي خلال لحظات الاضطراب الإقليمي تكون أقدر على حماية مواردها وموقعها الجيوسياسي عندما تبدأ خرائط النفوذ في التشكل من جديد. والسودان — بعد إفشال سيناريو السيطرة — يملك فرصة واقعية جيدة للانتقال من خانة الساحة المفتوحة للأطماع إلى خانة الدولة التي تعيد ترتيب أوراقها.

بحسب #وجه_الحقيقة، يقف السودان عند مفترق طرق : إما أن يرسخ مؤسساته ويحوّل مكاسبه العسكرية إلى استقرار سياسي دائم، أو أن يترك فجوات داخلية تعيده إلى مربع الهشاشة. صمود الدولة داخليًا هو الضمانة الأولى لأي دور إقليمي. ففي زمن إعادة رسم الخرائط، لا تحمي السيادة بالشعارات، بل بصلابة المؤسسات، ووحدة القرار، وقدرة الدولة على إدارة مواردها وحدودها ومكوناتها السياسية. إذا نجح السودان في استكمال مسار تثبيت الدولة، فسيكون قادرًا على حماية موقعه في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، أياً كانت مآلات الصراع بين واشنطن وطهران . أما إذا تعثّر، فسيجد نفسه مرة أخرى ضمن خرائط النفوذ التي تُرسم في غيابه.

دمتم بخير وعافية.
الأحد 1 مارس 2026 م Shglawi55@gmail.com

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة