عند تسلم الفريق شرطة/ حقوقي دكتور عثمان عطا مصطفى مسؤولية قيادة قوات الدفاع المدني، كانت البلاد تواجه تحديات غير مسبوقة فرضتها حرب مليشيا الدعم السريع الإرهابية على القوات المسلحة، والتي طالت أكثر من سبعين بالمئة من المرافق الحكومية في العاصمة الخرطوم وحدها، وكان المبنى الرئيسي لقوات الدفاع المدني نفسه من بين الأهداف التي دمرت تدميراً شبه كامل. هذا الوضع وضع المؤسسة أمام مفترق طرق تاريخي: إما الانهيار التام تحت وطأة الضربات المزدوجة لفقدان المقر واشتعال البلاد، أو النهوض من تحت الأنقاض. اختارت القيادة بقيادة سيادته الخيار الثاني، لتبدأ رحلة إعادة البناء من الداخل والخارج في وقت واحد، مؤسسة لفلسفة جديدة تقوم على الاعتماد على الذات أولاً دون التخلي عن البحث عن الشراكات الذكية التي تعزز القدرات.
تعود الجذور الأولى لهذا الدور العظيم إلى طبيعة التمرد نفسه، الذي لم يستهدف الثكنات العسكرية فحسب، بل امتد إرهابه ليشمل المرافق الخدمية والاستراتيجية ومقدرات الشعب السوداني. من هنا، أدركت قيادة الدفاع المدني بقيادة الفريق شرطة حقوقي دكتور عثمان العطا مصطفى، أن المعركة متعددة الأوجه، وأن حماية المدنيين والبنية التحتية هي جزء لا يتجزأ من الانتصار في المعركة. فمنذ البداية، كانت فرق الإطفاء والإسناد الإنساني حاضرة في الميدان، ليس كعنصر قتالي فحسب، بل كجهة مهنية متخصصة بصموده يقطع الطريق على أهداف المليشيا الإرهابية في بث الفوضى وحرمان المواطن من أبسط مقومات الحياة.
الوضع الراهن اليوم هو شهادة على نجاح هذه الفلسفة، حيث أصبحت قوات الدفاع المدني أكثر من مجرد جهة إطفاء وإنقاذ. فمع كل منطقة تتحرر من سيطرة المليشيات، تتحول إلى ساحة عمل متكاملة. في أم درمان والخرطوم، وبعد تحريرها، لم تكن المهمة الأولى مجرد إزالة الأنقاض، بل كانت عمليات إنسانية بالدرجة الأولى تشمل انتشال الجثث الملقاة في الطرقات وإعادة دفنها بكرامة، تليها مباشرة حملات تعقيم وتطهير مكثفة للمؤسسات والأحياء السكنية. هذه العمليات تكررت في سنار والجزيرة، لتصبح النموذج القياسي للعمل في المناطق المحررة. ولكن الأكثر إثارة هو تحول الدفاع المدني إلى قوة استباقية في مواجهة الكوارث الصحية، حيث قاد حملات مكافحة نواقل الأمراض في كل محليات ولاية الخرطوم، مستهدفاً بعوضة الزاعجة المصرية الناقلة لحمى الضنك، وكذلك مكافحة الملاريا، وذلك قبل تفشيها، في عمل وقائي نادر في زمن الحرب. وهو ما لم يكن ليتحقق لولا رؤية استباقية حوّلت مفهوم الدفاع المدني من رد الفعل إلى مبادرة تبناها سيادته لمكافحة نواقل الأمراض في كل الولايات تحت إشرافه مما قلل في الأمراض والأوبئة بالولايات.
كانت التبعات المباشرة للحرب هي خلق بيئة مثالية لتفشي الأمراض والأوبئة، بسبب تدمير شبكات الصرف الصحي وتجمع النفايات ونزوح الملايين. ولهذا، جاءت الردود المباشرة من سيادته سريعة ومتعددة الجبهات. فبجانب العمليات اليومية في إخماد الحرائق الضخمة مثل حريق مصفاة الخرطوم للبترول وحرائق المنشآت النفطية ومطار بورتسودان، والتي تمت بمواد متواضعة وفن الممكن تحت إشرافه المباشر وبخبرة مهنية عالية، تم إطلاق حملات إصحاح البيئة واسعة النطاق. لم تقتصر هذه الحملات على الخرطوم، بل امتدت إلى ولاية البحر الأحمر، حيث تم التعاون التام مع مدراء الدفاع المدني بالولايات، لتنفيذ عمليات رش وتعقيم مستهدفة ضد نواقل الأمراض، في محاولة حثيثة لمنع تحول المدن الساحلية والأماكن المكتظة إلى بؤر وبائية، مما يحفظ حياة مئات الآلاف من النازحين والمقيمين.
أما التطورات اللاحقة والمستجدة، فقد كشفت عن بعد تخطيطي عميق في التفكير، تمثل في تحويل الكارثة إلى فرصة لبناء قدرات جديدة. فبدلاً من الانتظار لتمويل إعادة بناء المقر الرئيسي المدمر، قاد سيادته عملية إعادة بناء ذاتية، حيث تحول ضباط وجنود الدفاع المدني إلى عمال بناء ومهندسين، وأشرف شخصياً على خطة إعادة التأهيل المرحلية. هذا الإنجاز، الذي أشاد به وزير الداخلية، كان رسالة معنوية قوية عن قدرة المؤسسة على النهوض. وبالتوازي، تم استحداث قدرات تكنولوجية غير مسبوقة، مثل إدخال أنظمة الرادار للكشف عن المحتجزين تحت الأنقاض، والطائرات المسيرة للمراقبة، وأجهزة الكشف الإشعاعي. كما تجاوزت هذه الرؤية حدود السودان، حيث قاد سيادته بنفسه بعثة إنقاذ متخصصة إلى تركيا للمشاركة في عمليات البحث وإنقاذ الناجين من تحت أنقاض الزلزال المدمر، وهو إنجاز رفع اسم السودان في المحافل الدولية للإغاثة.
تكشف تحليلات عميقة لمسار هذه القيادة عن نجاحها في نسج شبكة شراكات دولية وإقليمية ذكية، حوّلت الدفاع المدني من مؤسسة محلية إلى شريك عالمي. فقد أدار بنجاح ملف التعاون الدولي، حيث استقبل الدعم الفني واللوجستي من دول عربية مثل المملكة العربية السعودية، والتي قدمت آليات ومعدات مساندة، ودول أوروبية مثل إيطاليا، الشريك الرئيسي في إنشاء مركز الإنذار المبكر متعدد المخاطر في بورتسودان. لم يكن هذا المركز مجرد هبة، بل كان نتاج شراكة استراتيجية مع الوكالة الإيطالية للتنمية ومؤسسة CIMA البحثية، وهو يمثل نقلة نوعية من ثقافة الاستجابة للكوارث إلى ثقافة التنبؤ والاستعداد. كما تم تدريب ما يزيد عن مئة وعشرين ضابطاً ومتدرباً في أكثر من خمس وعشرين دورة مع منظمات مثل UNDRR والمنظمة الدولية للحماية المدنية، مما رفع الكفاءة البشرية للمؤسسة، ورسم خريطة جديدة للتعاون الدولي القائم على التكافل وتبادل الخبرة، وليس على المنحة وحسب.
بالنظر إلى آفاق المستقبل، فإن التحدي الأكبر يتمثل في تحويل هذه الإنجازات الاستثنائية في زمن الحرب إلى نظام مؤسسي دائم لمرحلة السلام وإعادة الإعمار. خريطة الطريق تبدو واضحة في عقل هذه القيادة: تعميم نموذج مركز الإنذار المبكر على كل ولايات السودان، واستكمال إعادة تأهيل البنية التحتية للقوات بمعايير حديثة، وترسيخ الشراكات الدولية التي بنيت خلال الأزمة. قرار تمديد فترة قيادة سيادته لعام هو اعتراف بهذا النجاح وتكليف بمهمة أكبر. القدرة على تحويل الدروس القاسية للحرب إلى سياسات وإجراءات مؤسسية ستكون المعيار الحقيقي للنجاح الدائم، حيث سيتحول الدفاع المدني من جهة طوارئ إلى ركيزة أساسية في بناء الدولة المرنة القادرة على مواجهة أي صدمات مستقبلية.
في الختام، تختصر مسيرة الفريق شرطة حقوقي الدكتور عثمان عطا مصطفى قصة مؤسسة وطنية اكتسبت حصانتها وقوتها من أعتى المحن. لقد أثبتت قيادته أن الدور المنوط بالدفاع المدني في القرن الحادي والعشرين يتجاوز بكثير مهام الإطفاء التقليدية، ليشمل حماية الصحة العامة، والاستجابة الاستباقية للأوبئة، وقيادة عمليات إعادة الإعمار، وبناء الشراكات العالمية، وحتى تقديم العون للإنسانية خارج الحدود. الرجل الذي بدأ من مكتب مؤقت إلى أن أصبح رمزاً للكفاءة والوطنية، لم يكتب سيرته بالخطب، بل بالأفعال التي تتحدث عن إطفاء نار، وإنقاذ روح، وبناء جدار، وتأسيس مركز إنذار. إرث سيادته سيكون هو تحويل الدفاع المدني إلى بيت خبرة وطني للصمود، وإرساء نموذج القيادة التي تبنى المؤسسة من داخلها، وتحمي الوطن بخبرتها، وتبني الجسور بعلاقاتها، وتسبق الأزمات بفكرها، لتخلف وراءها مؤسسة هي أقوى مما كانت عليه قبل العاصفة، حامية ليل السودان ونهاره. وهكذا، تتحول الرواية من سرد البطولة الفردية إلى ملحمة مؤسسية تثبت أن أعظم النهضات تولد من رحم أعظم التحديات.


