في قرية العريباب بولاية الجزيرة، كان الليل هادئاً حتى انقطع صمته بصرخة استغاثة المواطن (أ) (ع) ، حينما شهد سقوط المواطنة (و) ، البالغة من العمر اثنتين وخمسين عاماً، في بئر كانت تخفي في أعماقها خطراً محدقاً. لم تكن مجرد دقائق تمرّ، بل كانت ثوانٍ ثقيلة تحمل بين طياتها قصة صراع بين الحياة والموت، حيث تحوّلت القرية الهادئة إلى مسرح لحادث مرعب استنفر له الجميع. هذا الحادث لم يكن مجرد واقعة عابرة، بل يعكس واقعاً أوسع يعيشه السودانيون يومياً، حيث تتداخل المخاطر اليومية مع غياب الإمكانات، لتبرز الحاجة الماسة إلى أبطال حقيقيين لا يترددون في التضحية.
تعود جذور هذه الحوادث إلى طبيعة الحياة الريفية في السودان، والتي كثيراً ما تفتقر إلى معايير السلامة الأساسية في هذه المناطق بعد هذه الحرب اللعينه التي خلفت ضعف في امكانات القرى والمناطق النائية في صيانة الابار وترميمها. ومع تزايد الضغوط المعيشية وتآكل البنية التحتية في ظل الظروف الراهنة، ازدادت مخاطر انهيار الآبار أو سقوط الأفراد فيها، غير أن ما يميّز هذا الحادث بالتحديد هو سرعة الاستجابة غير المسبوقة، حيث لم يتأخر رجال الدفاع المدني لحظة واحدة، لتتحول المأساة المحتملة إلى قصة نجاح بطولية. ففي الساعة الحادية عشرة وخمس وعشرين دقيقة مساءً، انطلق تيم الإنقاذ البري بقيادة الرائد شرطة فهد ميرغني محمد علي، بعربة التدخل السريع، تحت إشراف مباشر من اللواء شرطة محمد الأمين النعيم، مدير قوات الدفاع المدني ولاية الجزيرة، ليكونوا على أهبة الاستعداد في موقع الحدث خلال دقائق معدودة.
وعند الوصول، كان المشهد مفزعاً: البئر في حالة انهيار جزئي، كتل خرسانية متساقطة في القاع، وجدران جانبية تتهدّم بشكل متواصل، مما صعّب عملية الاقتراب ورفع درجة الخطورة إلى أقصى مستوياتها. في تلك اللحظات العصيبة، لم يكن أمام فريق الإنقاذ سوى التحرّك بحذر شديد واحترافية عالية، مستخدمين خبراتهم الميدانية وحدسهم المدرب لتفادي أي انهيار إضافي قد يطمر المواطنة تحت الأنقاض. بدأوا بتأمين محيط البئر، ثم إنزال المعدات اللازمة بحرص، وسط ترقّب وقلق أهالي القرية الذين تجمهروا حول الموقع. كان كل فرد في الفريق يؤدي دوره بدقة: رقيب أول أسامة مختار ورقيب أول راشد محمد علي يشرفان على عمليات التأمين، بينما تولى عريف قصي مساعد ووكيل عريف حسين محمد أحمد مهام النزول الجزئي والتدخل المباشر. وبفضل الله ثم بفضل حنكة هؤلاء الرجال، تمكنوا من استخراج المواطنة سالمة، لتتحول صرخات الخوف إلى تكبيرات فرح تهز أرجاء القرية.
لم تكن هذه المهمة مجرد واجب وظيفي أدّاه رجال الدفاع المدني، بل تجسيد حي لقيم إنسانية سامية تتعالى فوق كل الاعتبارات. ففي زمن تمرد مليشيا الدعم السريع الإرهابية على القوات المسلحة، وما خلّفه هذا التمرد من أوضاع أمنية معقدة وتدهور في الخدمات الأساسية، يظل رجال الدفاع المدني مثالاً يحتذى به في التفاني والإخلاص. إنهم يعملون بصمت بعيداً عن الأضواء، يواجهون المخاطر يومياً بلا كلل، مؤمنين بأن إنقاذ روح واحدة هو انتصار للإنسانية جمعاء. هذا التفاني هو ما يجعل المواطن يشعر بأن هناك من يحميه حتى في أحلك الظروف، وهو ما تجلّى بوضوح في فرحة أهالي العريباب وتقديرهم للفريق، الذي لاقى إشادة واسعة واستحساناً من جميع الحاضرين.
من التحليل المتعمق لهذه الواقعة، ندرك أن ما قام به تيم الإنقاذ يتجاوز مجرد تنفيذ إجراءات تقنية؛ إنه درس في القيادة الميدانية واتخاذ القرار تحت الضغط. ففي لحظة الانهيار الجزئي للبئر، كان القرار الحاسم بتأمين الموقع أولاً ثم البدء في الإنزال بحذر هو الفارق بين الحياة والموت. هذا النوع من الحنكة لا يُكتسب إلا بالتدريب المستمر والخبرات المتراكمة، وهو ما توفره قوات الدفاع المدني رغم شح الإمكانات. كما أن الإشراف المباشر من قبل السيد اللواء شرطة/ محمد الأمين النعيم مدير قوات الدفاع المدني ولاية الجزيرة يعكس حرص القيادة على متابعة التفاصيل الدقيقة، مما ينعكس إيجاباً على أداء الفرق الميدانية. إن استخراج المواطنة بسلام رغم التحديات الكبيرة يثبت أن الكفاءة البشرية يمكن أن تعوّض نقص المعدات، وأن الروح الوطنية العالية قادرة على صنع المعجزات.
في الختام، تظل قصة إنقاذ المواطنة (و) من بئر الموت في قرية العريباب نموذجاً مشرفاً للتضحية والعمل الإنساني، وتذكيراً بأهمية دعم أجهزة الطوارئ والدفاع المدني لمواصلة أداء رسالتها النبيلة. إن هؤلاء الرجال الذين ينامون وأرواحهم على أكفهم لا ينتظرون شكراً، لكن من واجبنا جميعاً أن نسلط الضوء على بطولاتهم ونطالب بتوفير كل الإمكانات اللازمة لهم. ففي وقت تعصف فيه التحديات بالبلاد، تبقى قصص كهذه بارقة أمل تؤكد أن الخير لا يزال موجوداً، وأن الحياة تنتصر دائماً حينما تلتقي الإرادة الصادقة مع الكفاءة المهنية. حفظ الله السودان وأهلها الأوفياء.


