لم تكن الحرب التي اندلعت في السودان حدث عابر في سجل الأزمات بل كانت زلزال ضرب الدولة والمجتمع معا حرب بدأت في صباح يوم سبت من أيام رمضان فمزقت المدن وشردت الملايين ودفعت شعبا كاملا إلى حافة الفقر والجوع والخوف.
لم تكن الحرب صراع داخلي بل معركة فرضت على البلاد بدعم خارجي من سلطة أبوظبي داخل دولة الإمارات العربية المتحدة بوصفها الداعم الأبرز لمليشيا آل دقلو في مواجهة الجيش والشعب السوداني من تقديمها للدعم اللوجستي والمالي والعسكري وجسور إمداد لم تكن لتستمر لولا غطاء سياسي إقليمي وتدخل لم يراعي تاريخ العلاقات بين البلدين ولا المصالح المشتركة ولا حتى البعد الإنساني لكارثة أصابت شعب بأكمله،فالحرب لم تدمر ثكنات عسكرية فقط بل نسفت بيوت وأحرقت قرى وأفقرت أسر كانت تلتقط أنفاسها بعد سنوات من الأزمات.
الإمارات التي ارتبط اسمها بالاستثمار والإعمار والمشاريع الكبرى في المنطقة وجدت نفسها في الوعي السوداني مقرونة بصورة مختلفة صورة دولة أسهمت في إشعال نار أحرقت الأخضر واليابس وهنا تكمن المفارقة المؤلمة فالسودان الذي فتح أراضيه وعلاقاته لعقود لم يكن يتوقع أن يتحول إلى ساحة صراع مدعوم من عاصمة خليجية.
واليوم بينما تتصاعد التوترات في الإقليم وتتعرض بعض دول الخليج لهزات أمنية نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية يرى السودانيين في ذلك مشهد يعكس قسوة السياسة وتقلباتها، فالدولة التي دعمت الحرب في السودان تواجه تحديات أمنية داخلها غير أن المسألة ليست شماتة ولا دعوة للانتقام فالحروب حين تتمدد لا تختار ضحاياها على أساس الجغرافيا أو التحالفات.
لكن السياسة تقرأ بلغة المصالح وإذا كانت أبوظبي قد راهنت على مليشيا لفرض واقع جديد في السودان فإن الرهان أثبت كلفته الباهظة إنسانيا وسياسيا،فصورة الإمارات في الوجدان السوداني لم تعد كما كانت والعلاقات التي بنيت على سنوات من التعاون تحتاج اليوم إلى مراجعة صريحة ومسؤولة.
في المقابل المطلوب من جيشنا الباسل أن يقرأ اللحظة بدقة فانشغال الإقليم بأزمات متلاحقة قد يفتح نافذة لتحجيم المليشيا في ما تبقى من كردفان ودارفور ومنعها من إعادة ترتيب صفوفها فالحسم وقطع الإمداد ومنع المناورة كلها ضرورات ميدانية يجب اغتنامها.
السودان لا يحتاج إلى حرب طويلة ولا إلى تصفية حسابات إقليمية على أرضه يحتاج فقط إلى سيادة كاملة تغلق الباب أمام أي تدخل خارجي أي كان مصدره ويحتاج إلى دولة تستعيد قرارها الوطني وعلاقات خارجية تقوم على الندية والاحترام لا على دعم فصيل ضد اخر.
لسنا دعاة شماتة ولا أنصار استمرار النار في أي بلد فالشعوب هي الخاسر الأكبر دائما ما نريده هو أن تتوقف الحرب في السودان وفي الخليج وفي كل مكان، أن تعود السياسة إلى رشدهاوأن تدرك العواصم أن اللعب بأمن الدول الأخرى قد يرتد عليها يوما.
لقد ذاق السودانيون المر بما يكفي فهل آن الأوان أن يتعلم الجميع أن استقرار المنطقة كل لا يتجزأ وأن إشعال الحرائق لا يصنع نفوذا دائما بل يخلف رمادا عالقا في الذاكرة.
السودان يريد أن يطوي صفحة الدم لا أن يفتح دفاتر ثأر جديدة يريد أن يرى أبناءه يعودون إلى مدارسهم وحقولهم وأسواقهم ومنازلهم وقراهم.
ولنا عودة
4 مارس 2026م


