29.9 C
Khartoum
الخميس, مارس 5, 2026

رحيل المواسم في الوسط (2) يوسف عبدالرضي

إقرأ ايضا

نحن مواليد الستينات، جيلٌ دخل الحياة فوجد مشروع الجزيرة قائمًا أمامه، ماثلًا في كل تفاصيل اليومي، لا كحكاية تُروى، بل كواقع يُعاش. لم نعرف زمنًا قبله، ولم نتصور الحياة خارجه. كان المشروع هو الإطار الذي تشكلت داخله طفولتنا، وتحدد عبره إيقاع الأيام، ومواسم الفرح والتعب، والعمل والراحة.
في المدارس، اختلطنا بأبناء وبنات الموظفين القادمين من المدن الكبيره الذين نال اباهم حظهم من التعليم . كان الاختلاف واضحًا، ليس في المستوى التعليمي فقط، بل في المظهر والسلوك وطريقة العيش. كنا ننظر إليهم بعين أخرى، نراهم قمة في الرقي والنظافة والنظام. حتى في أبسط التفاصيل، مثل طريقة كيّ الملابس أو ترتيب الزي المدرسي، كنا نحاول أن نتمثل بهم، دون أن نشعر، وكأنهم يمثلون نافذة على عالم مختلف داخل المكان نفسه.
بهذا الاختلاط اليومي، دخلت إلينا ثقافة جديدة، لم تكن مفروضة، بل جاءت طبيعية عبر التعايش. وزاد من هذا التأثير وجود المعلمين، الذين كانوا يأتون إلينا من مناطق بعيدة، حاملين معهم لهجات مختلفة، وتجارب أوسع، وقيمًا مرتبطة بالمعرفة والانضباط. لم يكن المعلم مجرد ناقل للمقرر الدراسي، بل كان رمزًا للمكانة الاجتماعية، وصوتًا للعقل، ومثالًا يُحتذى به.
وهنا يجب الاعتراف، دون مواربة، بأن مشروع الجزيرة كان من ضمن أهم العوامل التي ساعدت على استقرار المنطقة وتعليمها. فقد تأسست المدارس، وانتشرت نقاط الغيار، والبيطريات، والخدمات المرتبطة بالإنتاج الزراعي. ومع دخولنا المدارس، بدأ وعينا يتفتح على أن كل هذه الخدمات لم تكن منحة عابرة، بل كانت نتيجة نظام واضح، يعتمد على تخصيص نسبة الاثنين في المئة من أرباح المشروع لصالح الخدمات الاجتماعية. كان ذلك فهمًا متقدمًا لمعنى التنمية، يربط بين الإنتاج والإنسان، ويجعل الزراعة أداة لبناء المجتمع، لا مجرد وسيلة للربح.
في تلك السنوات، كان المزارع يعيش في حالة من الرفاه النسبي مقارنة بالمناطق الأخرى، خاصة مناطق الري المطري، التي كنا نطلق عليها محليًا “الضهرا”. لم يكن الفرق في المال وحده، بل في الاستقرار والأمان. كانت المعيشة سهلة، والناس سواسية في أغلب شؤون حياتهم. لم يكن هناك ترف، لكنه لم يكن هناك جوع. لم يبت بيت من فقر، ولم تُكسر نفس بسبب الحاجة. كانت الحياة تمضي ببساطة، لكنها كانت كريمة.
وعندما نتحدث عن التنمية في مشروع الجزيرة، فإن الحديث لا حدود له. فقد تجاوزت الزراعة كونها نشاطًا اقتصاديًا لتصبح نمط حياة. الأرض، والماء، والموسم، كلها عناصر صنعت علاقة خاصة بين الإنسان ومحيطه، ورسخت قيم العمل الجماعي، والاعتماد على النفس، والتكافل الاجتماعي.
وفي سياق هذا التوسع، دخلت أيادٍ عاملة من غرب السودان، يُطلق عليهم اليوم سكان الكنابي. في بدايات المشروع، كانت الخطة – وفق المسمى آنذاك – تقوم على “كامب الإنجليزية”، أي المعسكرات العمالية الموسمية. كان العامل يأتي لفترة محدودة، يعمل، ثم يعود إلى منطقته. لكن مع مرور الزمن، تغيّرت الصورة. جاءت العمالة ومعها الأسر، وتوالدت الأسر، وتحولت المعسكرات المؤقتة إلى تجمعات سكنية دائمة، لتنشأ إشكالية السكن الاضطراري، التي امتدت لعقود طويلة.
في أيام ازدهار المشروع، كانت الكنابي تتبع إداريًا للتفاتيش، وكان الباشمفتش هو المسؤول المباشر عن تعيين شيخ الكنبو. كانت الإدارة، رغم صرامتها، واضحة المعايير. أما اليوم، فقد أصبحت الكنابي تتبع للحكومات المحلية، ودخلت في تعقيدات السياسة والإدارة وضعف الموارد.
أذكر، في إحدى المرات، حادثة وقعت في أحد الكنابي، حين تنازع أبناء قبيلة واحدة على شياخة الكنبو. لم يكن لدى المفتش المسؤول معيار للفصل سوى معيار الإنتاج. فقسّم مقطعية بمساحة متساوية بين المجموعتين، ومن ينجز عمله أولًا ينال الشياخة. سبقت المجموعة الأقل عددًا، لكن النتيجة لم تكن حسمًا للنزاع، بل كانت شرارة لمشكلة كبيرة، ربما أُريق فيها دم. هذه الواقعة، وغيرها، كشفت أن القضايا الاجتماعية لا تُحل دائمًا بالأرقام، وأن الإدارة حين تنفصل عن الواقع الاجتماعي قد تُنتج أزمات بدل أن تحلها.
ذكري لهذه الحادثة ليس من باب السرد فقط، بل للتأكيد على أن السكن الاضطراري، أو الكنابي، كانت وما تزال مشكلة متجددة. هؤلاء الناس سودانيون، لا غرباء، ويجب أن تُحل قضاياهم بالقانون الذي يضمن لهم الاستقرار والكرامة أينما حلّوا. غير أن الحل الجذري، في تقديري، لا يكمن في المعالجات المؤقتة أو الأمنية، بل في التنمية المتوازية على مستوى السودان كله، وفي إقامة المشاريع في كل منطقة بحسب ما تنتج، حتى لا تظل الهجرة هي الخيار الوحيد.
وعلى كل حال، يظل مشروع الجزيرة، رغم سلبياته وما أصابه من تراجع، خيرًا كبيرًا علينا. هو مشروع صنع إنسان الوسط، وربطه بالأرض والموسم، وعلّمه معنى العمل والاستقرار. لذلك يبقى الأمل قائمًا في ألا يزول، بل أن يُعاد إليه اعتباره، لا باعتباره مجرد مشروع زراعي، بل كذاكرة وطنية وتجربة إنسانية تستحق الإنصاف.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة