29.4 C
Khartoum
السبت, مارس 7, 2026

سلسلة الخيرية (6) د.نجلاء حسين المكابرابي البيوت التي يحرسها الحياء: حين يصنع القرآن إنسان الطهر

إقرأ ايضا

ليست عظمة الإسلام في أنه دين عبادة فحسب، بل في كونه منهج حياة متكامل يربي الإنسان في أدق تفاصيل سلوكه اليومي. ومن أعظم ما يلفت النظر في تشريعاته أنه لم يترك حتى العلاقات داخل البيت دون تهذيب وتوجيه، بل وضع لها من القيم ما يحفظ للإنسان كرامته، ويصون للمجتمع طهارته. ومن هذه القيم الرفيعة أدب الاستئذان الذي جعله الإسلام سياجًا للحياء، وحارسًا لحرمة البيوت.
لقد خاطب الله عباده في القرآن الكريم بخطابٍ يحمل في طياته التربية والرحمة والحكمة، فقال سبحانه في سورة النور:
﴿وَإِذَا بَلَغَ ٱلۡأَطۡفَالُ مِنكُمُ ٱلۡحُلُمَ فَلۡيَسۡتَـٔۡذِنُوا كَمَا ٱسۡتَـٔۡذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ﴾.
إنها آية قصيرة في مبناها، لكنها عميقة في معناها، ترسم ملامح المجتمع الطاهر الذي يحفظ الخصوصيات ويقيم جدران الحياء داخل البيوت. فالطفل حين يبلغ الحلم لا يعود مجرد صبي يدخل بلا استئذان، بل يصبح إنسانًا مسؤولًا يتعلم أن للبيوت حرمة، وأن للأبواب آدابًا، وأن الحياء شريعة قبل أن يكون خُلُقًا.
إن الإسلام حين أمر بالاستئذان لم يقصد مجرد تنظيم الدخول والخروج، بل أراد أن يغرس في النفوس معنى الحياء؛ ذلك الخلق الذي إذا غاب عن المجتمعات انفرط عقد القيم، وتسللت الفوضى الأخلاقية إلى البيوت.
إن أعظم الأزمات التي تواجه المجتمعات اليوم ليست اقتصادية ولا سياسية فحسب، بل هي أزمة قيم حين يتراجع الحياء، ويُستهان بخصوصيات الناس، وتصبح البيوت مكشوفة بلا حدود ولا آداب.
ومن هنا كان القرآن يعيد الإنسان إلى فطرته النقية، ويذكره بأن البيت ليس جدرانًا وسقفًا، بل هو حرمة وسكينة وأمان. وإذا ضاعت حرمة البيوت ضاعت معها الطمأنينة، وتفككت الروابط التي يقوم عليها المجتمع.
إن الأمة التي تربي أبناءها على طرق الأبواب قبل فتحها، وعلى احترام خصوصية الآخرين، إنما تربيهم على مدرسة عظيمة من الأخلاق. فالاستئذان ليس كلمة تقال، بل هو تربية على احترام الإنسان، وإقرار بأن لكل نفسٍ عالمها الذي يجب أن يُصان.
وهكذا يظل القرآن مدرسة أخلاقية خالدة، تزرع الحياء في النفوس، وتبني مجتمعًا يقوم على الطهر والاحترام. وما أحوجنا اليوم إلى أن نعيد لهذه القيم حضورها في بيوتنا، وأن نغرس في أبنائنا أدب الاستئذان كما غرسه القرآن في قلوب المؤمنين.
فإذا عاد الحياء إلى البيوت، عاد معها نور الطمأنينة، واستقامت الأخلاق، ونهض المجتمع على أساسٍ من الطهر والكرامة.
فالبيوت التي يسكنها الحياء، تحرسها بركة السماء. ✨

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة