ليس يوم المرأة العالمي مناسبة للاحتفال الرمزي فحسب، بل هو لحظة تأمل عميق في ميزان الإنسانية داخل مجتمعاتنا. فالمجتمع الذي لا يرى في المرأة إنساناً كاملاً، حراً ومسؤولاً، إنما يعلن – من حيث يدري أو لا يدري – عجزه عن فهم معنى الحرية نفسها.
إن قضية المرأة ليست قضية فئة من المجتمع، بل هي قضية الإنسان كله. لأن العلاقة بين الرجل والمرأة هي أول علاقة وحدة اجتماعية في التاريخ، والمرأة هي المرآة التي تنعكس فيها درجة رقيّ المجتمع أو انحطاطه. وكلما اقترب المجتمع من العدل في هذه العلاقة، اقترب من تحقيق إنسانيته الكاملة.
لقد عاشت المرأة في تاريخنا الطويل بين طرفين من الظلم: ظلم التقاليد التي حبستها في أدوار ضيقة، وظلم الفهم القاصر للدين الذي صوّر الوصاية عليها وكأنها قدر مقدس. بينما الحقيقة أن الرسالة الأخلاقية الكبرى التي جاءت لتحرير الإنسان لا يمكن أن تقبل بإنقاص إنسانية نصفه.
فالحرية لا تتجزأ. ومن يتحدث عن الحرية ويصمت عن حرية النساء إنما يتحدث عن حرية ناقصة، بل عن حرية زائفة. لأن المجتمع لا يمكن أن ينهض وهو يسير بساق واحدة.
إن المرأة ليست تابعاً للرجل، ولا ظلاً له، بل هي شريك كامل في المسؤولية الإنسانية. هي عقل يفكر، وقلب يشعر، وإرادة تختار. وكل مشروع حضاري حقيقي لا بد أن يقوم على هذا الفهم البسيط العميق: أن إنسانية المرأة هي من إنسانية الرجل، وأن كرامتها من كرامته.
لقد آن الأوان أن نخرج من أسر التصورات القديمة التي قامت على السيطرة لا المشاركة، وعلى الوصاية لا الحرية. فالتاريخ الإنساني يتحرك – ببطء أحياناً وبألم أحياناً أخرى – نحو الاعتراف الكامل بإنسانية الإنسان، رجلاً كان أو امرأة.
وما نراه اليوم من نضال النساء في كل مكان ليس خروجاً على المجتمع، بل هو في حقيقته محاولة لإنقاذ المجتمع من قصوره التاريخي. إنه نداءٌ بسيط لكنه عميق: أن يُعامل الإنسان بوصفه إنساناً، لا بوصفه جنساً أدنى أو أعلى.
إن مستقبل المجتمعات لا يُقاس بعدد الأبراج التي تبنيها، ولا بكمية الثروة التي تملكها، بل بمدى احترامها لإنسانية مواطنيها، وعلى رأسهم النساء. لأن المرأة حين تُحترم إنسانيتها، يُربّى جيل كامل على معنى الكرامة والحرية.
ولهذا فإن يوم المرأة العالمي ينبغي أن يكون دعوة صادقة لمراجعة ضمائرنا، قبل أن يكون مناسبة للاحتفاء. دعوة لنسأل أنفسنا: هل أنصفنا المرأة حقاً؟ أم أننا ما زلنا نردد كلمات العدالة بينما نخاف من تطبيقها؟
إن الطريق إلى مجتمع أكثر عدلاً يبدأ من الاعتراف البسيط بأن المرأة ليست نصف المجتمع فحسب، بل هي نصف الإنسانية. وحين تتحرر إنسانيتها، يتحرر المجتمع كله.
فحرية المرأة ليست هبة يمنحها الرجال، بل هي حق أصيل من حقوق الإنسان. وكلما اقتربنا من هذا الفهم، اقتربنا خطوة أخرى من المجتمع الذي تقوم علاقاته على المساواة، وتستقيم فيه الكرامة الإنسانية للجميع.
وذلك هو الطريق الذي لا بد أن يسير فيه العالم، مهما طال الزمن. لأن التاريخ – في نهاية المطاف – يقف دائماً إلى جانب الحرية.
المرأة… ميزان إنسانية المجتمع بمناسبة يوم المرأة العالمي … بقلم: حسن عبد الرضي


