في خضم الأزمات التي تضرب البلاد، تبرز قوات الدفاع المدني السوداني مجهزة بأحدث التقنيات لتؤدي واجبها الإنساني والامني على أكمل وجه، ومن أبرز هذه التقنيات الطائرات المسيرة التي باتت تمتلكها وتستخدمها فعلياً في الميدان. الطائرات المسيرة، تلك التقنية التي ارتبطت في أذهان الناس غالباً بالصراعات والحروب، تثبت يوماً بعد يوم أنها تحمل إمكانات هائلة في المجال الإنساني والامني وخاصة في كل أعمال الدفاع المدني والطوارئ والإنقاذ. فمع اتساع رقعة الأحداث وكثرة المهام التي تقوم بها فرق الإنقاذ السودانية، تبرز الدرون التي تمتلكها قوات الدفاع المدني السوداني كأداة متطورة تنقل عملها من العمل المعتاد إلى آفاق الدقة العالية والسرعة الكبيرة، لتنقذ الأرواح وتحدث الفارق الحقيقي في الميدان عبر استخدامات جديدة لم تكن متوقعة من قبل. وقبل اندلاع الأحداث المؤسفة في الخامس عشر من أبريل 2023، كانت قوات الدفاع المدني السوداني قد قطعت شوطاً مهماً في امتلاك واستخدام هذه التقنية المتطورة، حيث سافرت الفرق المتخصصة إلى تركيا في الساعات الأولى من صباح العاشر من فبراير 2023، ضمن حزمة مساعدات إنسانية إلى تركيا التي تعرضت لزلزال مدمر. لم تكن تلك المهمة مجرد مشاركة عابرة، بل كانت اختباراً حقيقياً لقدرات هذه الفرق التي استخدمت الطائرات المسيرة التي تمتلكها في عمليات البحث في الأماكن شديدة الخطورة، وتمكنت من انتشال أحياء من تحت الأنقاض بولاية أدي يمان، لتودعها الحكومة والشعب التركي لاحقاً في مطار إسطنبول بوداع حار وتصفيق يعبر عن الشكر لجهودها الكبيرة التي جسدت أسمى معاني الأخوة الإنسانية. هذا الدور الكبير تم بمجهود السيد الفريق شرطة/ حقوقي دكتور عثمان عطا مصطفى الذي قاد هذه المسيرة بكل اقتدار وحرفية عالية. وبعثة قوات الدفاع المدني التي حققت الانجازات في تركيا،
تعود البدايات الأولى لامتلاك قوات الدفاع المدني السوداني لهذه التقنية إلى التطور الكبير الذي شهدته تكنولوجيا الطائرات دون طيار خلال السنوات العشر الأخيرة على المستوى العالمي، حيث انتقلت من مجرد أدوات استطلاع عسكرية إلى منصات متعددة المهام تحمل كاميرات حرارية، وأجهزة استشعار، بل وحتى ذراعاً بسيطة قادرة على العمل في البيئات المختلفة. في السودان، ظهر هذا التطور مع استيراد طائرات استطلاع متطورة من خارج السودان، والتي كانت هي الأحدث والأكثر تطوراً من الناحية التقنية، وقد استخدمت هذه الطائرات في مهمة الإنقاذ خلال كارثة زلزال تركيا، حيث نالت استحسان قوات الدفاع المدني المشاركة من دول العالم في الزلزال وأثبتت كفاءة عالية في الميدان. واليوم، تمتلك قوات الدفاع المدني السوداني عدداً من هذه الطائرات وتستخدمها بشكل فعلي في مهامها اليومية، حيث لم تكن تلك التجربة معزولة، بل جاءت لتؤكد أن الاستخدام العملي لهذه التقنية أصبح واقعاً ملموساً على نطاق واسع يمتد ليشمل مختلف الولايات والمناطق.
وفي إطار أعمال الدفاع المدني المختلفة، تبرز الأدوار المتعددة للطائرات المسيرة التي تمتلكها قوات الدفاع المدني السوداني وتستخدمها فعلياً في الميدان، حيث تساهم في كل اعمال الدفاع المدني وايضا مهام البحث والإنقاذ في المناطق المنكوبة، ومكافحة حرائق الغابات والأسواق والأراضي الزراعية، وإدارة مخاطر الفيضانات والسيول عبر المسح الجوي وتحديد مواقع العالقين، ورصد المواد الخطرة والكشف عنها لحماية فرق الإنقاذ، وتقديم المساعدات الغذائية والأدوية للمناطق المعزولة، وإزالة مخلفات الحرب والأجسام الغريبة، وتعقيم المرافق العامة والمستشفيات والمدارس، ومراقبة مناسيب الأنهار والسدود، والكشف عن حرائق الغابات في لحظة نشأتها، لتصبح هذه التقنية ركيزة أساسية في كل عمل إنساني وأمني تقوم به القوات.
اليوم، ومع تنوع المهام الميدانية التي تقوم بها قوات الدفاع المدني السوداني في مختلف ولايات السودان، أصبح العمل بهذه الطائرات المسيرة يفرض نفسه بقوة كأداة رئيسية لا غنى عنها. ففرق الدفاع المدني تستخدم الطائرات المسيرة التي تمتلكها في مواجهة حرائق تلتهم مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية أو الأسواق، حيث تقوم هذه الطائرات باكتشاف بؤر الحريق وتحديده بصورة دقيقة ومنها يتم تحديد أماكن النيران قبل انتشارها، وصولاً إلى استخدامها في عمليات إنقاذ المواطنين في مناطق الفيضانات أو الوديان عبر تصوير مجرى النيل والأنهار والصحاري وكل المواقع التي تشكل خطورة على المواطن وأيضاً البحث عن الجثث التي تجرفها السيول أو تحديد مواقع الجثث التي تطفو على مياه النيل أو البحر الأحمر، حيث تتمكن من تحديد أماكن العالقين بدقة عالية. في هذه الظروف، تقدم الطائرات المسيرة حلاً عملياً متاحاً: فهي تحلق فوق مناطق الخطر لتوفير صورة حية وشاملة لغرف العمليات، مما يمكن الفرق قوات الدفاع المدني الأرضية من التخطيط لتحركاتها بدقة عالية. هذا يعني أن رجال الدفاع المدني لم يعودوا مضطرين لدخول منطقة مجهولة وهم لا يعرفون ما فيها، بل أصبح بوسعهم استكشافها عن بعد باستخدام طائراتهم المسيرة وتحديد أولويات العمل بدقة، مما يوفر الجهد والوقت ويرفع كفاءة العمليات إلى مستويات لم تكن موجودة من قبل.
من أبرز الاستخدامات المباشرة التي تستخدم فيها قوات الدفاع المدني السوداني طائراتها المسيرة هي قدرتها على الاستشعار عن بُعد ومعرفة طبيعة المواد الخطرة. ففي الحوادث التي يشتبه بوجود مواد كيميائية أو غازات سامة، يتم تزويد الدرون التي تمتلكها بأجهزة استشعار خاصة للكشف عن هذه المواد ومعرفة تركيزاتها، وإرسال تحذيرات فورية إلى فرق الطوارئ قبل اقترابها من موقع الخطر. هذا النوع من الاستخدامات، الذي بدأ استخدامه في عمليات رسم الخرائط البيئية والكشف عن الإشعاعات هذه التقنية الحديثة تمتلكها قوات الدفاع المدني السوداني وتستخدمها لحماية أرواح والممتلكات وايضا حماية رجال الإنقاذ وتمكينهم من أداء مهامهم بكفاءة أعلى. كما أن الكاميرات الحرارية المحمولة على متن الدرون التي تمتلكها تستطيع تحديد مكان شخص تائه في الصحراء أو عالق تحت الأنقاض في الليل، من خلال حرارة جسده، وهو أمر يصعب تحقيقه بالطرق المعتادة، وقد أنقذت هذه التقنية أرواحاً كثيرة في ظروف قاسية وصعبة.
التطورات اللاحقة في هذا المجال تشير إلى إمكانيات تتجاوز مجرد المراقبة إلى مرحلة العمل المباشر، وهو ما ظهر في المهام الإنسانية والامنية الكبيرة التي قامت بها قوات الدفاع المدني السوداني في أصعب الظروف. فإلى جانب مهام البحث والإنقاذ، تقوم هذه الطائرات المسيرة بتقديم المساعدات الغذائية والأدوية إلى المناطق المنكوبة التي يصعب الوصول إليها براً بسبب انقطاع الطرق أو خطورة الممرات، حيث تحمل سلالاً محكمة الغلق وتلقيها في نقاط آمنة محددة بدقة. كما لعبت الطائرات المسيرة التي تمتلكها قوات الدفاع المدني السوداني دوراً كبيراً في مساندة جهود البحث عن الجثث وإزالة مخلفات الحرب بعد عمليات التحرير، حيث قامت بمسح شامل للمناطق المتضررة وتحديد أماكن المتفجرات والأشياء الغريبة. ففي مدينة ود مدني بعد تحريرها، نفذت قوات الدفاع المدني حملة تطهير شاملة شملت تنظيف المستشفيات والمدارس والمساجد والكنائس بمحلول الكلور، وتنظيف مصادر مياه الشرب، بالاعتماد على طائراتها المسيرة التي زودتها بأجهزة عالية الدقة وجودة في عمليات المسح والتنظيف. وتم إجراء مسح شامل بأجهزة متطورة محمولة على الدرون لإزالة المتفجرات والأشياء الغريبة بالتعاون مع القوات المسلحة والأدلة الجنائية، إلى جانب جمع الجثث المتحللة وتنظيفها قبل دفنها وفق الإجراءات الفنية المعروفة، حيث كانت غالبية الجثث لأجانب سقطوا في المعارك. هذا العمل الإنساني والامني الكبير ما كان ليتحقق بهذه الكفاءة لولا ما تمتلكه قوات الدفاع المدني من قدرات تقنية متطورة وخبرات متراكمة في إدارة الكوارث، حيث تواصل استخدام طائراتها المسيرة في مثل هذه المهام الإنسانية والامنية النبيلة التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
عند التحليل، نجد أن الأمر غير المتوقع هو قدرة هذه التقنية التي تمتلكها قوات الدفاع المدني السوداني على تحويل عملها من جهد عام إلى عمل دقيق يعيد تعريف معنى الإغاثة والإنقاذ. لم يعد الأمر مقتصراً على إرسال عشرات الأفراد للبحث في غابة عن شخص مفقود، بل يمكن لعدد من الطائرات المسيرة التي تمتلكها تغطية مساحة واسعة في وقت قياسي وتحديد مكان الهدف بدقة عالية، ليتم بعدها توجيه الفرق قوات الدفاع المدني الأرضية إلى المكان المحدد. هذا التوفير في الجهد والوقت والموارد البشرية يعني قدرة أكبر على الاستجابة لعدة حوادث في وقت واحد، ورفع كفاءة العمل العام لقوات الدفاع المدني إلى مستويات جديدة من الاحترافية. كما أن الطائرات المسيرة التي تمتلكها قوات الدفاع المدني السوداني قادرة على العمل في بيئات شديدة الخطورة لا يمكن للبشر الاقتراب منها، مثل حرائق المستودعات الكبيرة أو المناطق المليئة بالألغام، حيث يمكنها إلقاء كرات الإطفاء أو تصوير الوضع تمهيداً للتدخل البشري الآمن، وقد أثبتت وجودها الفاعل في هذه المهام الميدانية بما يقدم أروع الأمثلة في التضحية والعطاء.
أما آفاق المستقبل، فتبدو واعدة أكثر مع ما تمتلكه قوات الدفاع المدني السوداني من قدرات متطورة في هذا المجال ورؤية مستقبلية تواكب أحدث ما توصل إليه العالم. وفي هذا الإطار، اختتمت اليوم الدورة التدريبية المتخصصة لتأهيل فنيي الطائرات المسيرة برئاسة قوات الدفاع المدني السوداني تحت اشراف سعادة الفريق شرطة/ حقوقي د.عثمان عطا مصطفى ، حيث شملت الدورة برامج مكثفة لتشغيل أنظمة الدرون المتطورة، واكتشاف الأعطال وإصلاحها، وتركيب أجهزة الاستشعار والكاميرات الحرارية، إلى جانب التدريب العملي على استخدام الطائرات المسيرة في مهام البحث والإنقاذ ورصد المواد الخطرة، وذلك بهدف رفع كفاءة الكوادر الوطنية وتعزيز قدراتها الفنية للتعامل مع أحدث التقنيات في هذا المجال الحيوي ويمكن للطائرات المسيرة التي تمتلكها قوات الدفاع المدني السوداني أن تتحول إلى أنظمة إنذار مبكر تعمل بنفسها، تراقب مناسيب الأنهار أثناء الخريف، أو تكشف عن حرائق الغابات في لحظة نشأتها قبل امتدادها إلى المناطق السكنية، مما يجعلها درعاً واقياً للمجتمع بأسره. كما أن هناك مبادرات عالمية لتدريب متخصصين في إدارة الكوارث على استخدام هذه التقنيات، وقوات الدفاع المدني السوداني تواصل تطوير كوادرها في هذا المجال لتكون في المقدمة دائماً. في السودان، حيث يظهر الابتكار المحلي كقصة ملهمة، توجد عقول شابة قادرة على تطوير وصيانة هذه الأنظمة، بل وربما تصميم نماذج محلية تناسب خصوصية البيئة السودانية، وتعمل قوات الدفاع المدني السوداني على الاستفادة من هذه العقول في تعزيز قدراتها الوطنية في هذا المجال الحيوي الذي يمثل مستقبل العمل الإنساني والأمني بأسره.
في الختام، لم تعد الطائرات المسيرة التي تمتلكها قوات الدفاع المدني السوداني وتستخدمها فعلياً في مهامها اليومية رفاهية تكنولوجية أو أداة حربية فقط، بل أصبحت ضرورة ملحة في أداء مهامها النبيلة التي تتطلب أعلى درجات الكفاءة والدقة والسرعة. من إنقاذ الأرواح في كارثة زلزال تركيا قبل الحرب، إلى تقديم المساعدات الغذائية والأدوية للمنكوبين، وصولاً إلى مساندة جهود البحث عن الجثث وإزالة مخلفات الحرب بعد التحرير، تثبت هذه التقنية التي تمتلكها قوات الدفاع المدني السوداني أنها قادرة على إحداث الفارق الحقيقي على الأرض في كل الظروف والأحوال. إن امتلاكها وتطويرها واستخدامها في الميدان يمثل خطوة مهمة نحو بناء نظام طوارئ أكثر ذكاءً وقدرة على مواجهة المهام المتزايدة، ليظل الهدف الأسمى هو حماية الإنسان وامنه وتخفيف المعاناة عنه، أينما كان وتحت أي ظرف، وهو ما سوف تقدمه قوات الدفاع المدني السوداني يومياً باستخدام طائراتها المسيرة في خدمة المواطنين.
. ونشيد بهذا الانجاز العظيم ونتقدم بجزيل الشكر والتقدير وعظيم الامتنان للسيد الفريق شرطة/ حقوقي دكتور عثمان عطا مصطفى على رؤيته الثاقبة وجهوده الكبيرة في تطوير هذا القطاع الحيوي، كما نشكر كل من ساهم في هذا العمل العظيم من قيادات وضباط وضباط صف وجنود، وخاصة كوادر إدارة المواد الخطرة والفرق التي شاركت في إزالة مخلفات الحرب والبحث عن الجثث وإزالتها لتهيئة المدن التي دمرتها الحرب لصبح آمنة وتصبح مؤهلة لعودة المواطنين لديارهم، وبذلك أثبت قوات الدفاع المدني السوداني بكفاءه عالية وتفاني أن العمل الإنساني والأمني اصبحت هذه القوات قادره على صنع الفارق محلياً ودولياً، مسطرة بذلك أروع الأعمال الإنسانية والامنية التي تبعث الأمل في النفوس وتؤكد أن الخير قادر دائماً على الانتصار مهما كبرت التحديات.


