36.1 C
Khartoum
الإثنين, مارس 16, 2026

مسارات د.نجلاء حسين المكابرابي …. ليلة القدر.. بين الوهم و العمل

إقرأ ايضا

رحم الله المفكر الإسلامي السوداني الدكتور حسن الترابي الذي لامس بكلماته جرحًا عميقًا في الوعي الديني المعاصر، حين قال :
” إن كثيرًا من المسلمين يعيشون في الأوهام، ينتظرون ليلةً واحدة في العام لتأتيهم بما عجزت عنه أعمارهم كلها..
لقد تحوّلت ليلة القدر في المخيال الشعبي عند كثيرين إلى ليلة أمنيات، تُكتب فيها القوائم الطويلة من الطلبات، و ترتفع فيها الأصوات بالبكاء و الضجيج في المساجد، و كأنها بوابة سحرية لتحقيق الأحلام، لا ليلة وعيٍ و تغيير..
غير أن القرآن لا يقرّ هذا المنطق..
فالقرآن يضع قاعدة أخلاقية صارمة، لا تتبدل بليلة و لا بزمان، قاعدة تربط الجزاء بالعمل لا بالأماني..
قال الله تعالى:
” مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَ لَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَ لَا نَصِيرًا..”
(سورة النساء / الآية 123)
و قال سبحانه:
” وَأَن ليْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى..”
(سورة النجم / الآية 39-41)

فالقانون الإلهي هنا واضح…
العمل هو الطريق.. لا الأمنيات..
و لو كانت الأماني وحدها تصنع الحضارات، لكانت أكثر أمم الأرض بكاءً و دعاءً هي أكثرها تقدمًا و ٱزدهارًا..
لكن الواقع يشهد بعكس ذلك..
فبينما تمتلئ مساجدنا في ليلة السابع و العشرين بالبكاء و الدعاء على الأعداء، تمتلئ مختبراتهم و مراكز أبحاثهم بالعلم و العمل و التخطيط..
هم يدرسون الكون، و يكتشفون قوانينه، و يستثمرون طاقاته، و ينفقون على المعرفة ميزانيات هائلة… فتزداد دولهم قوةً و ٱستقرارًا..
أما نحن، فكثيرًا ما نغادر المساجد في صباح اليوم التالي لنعود إلى الواقع ذاته..
نفس التخلف، نفس الفوضى، و نفس ٱنتظار المعجزة القادمة في رمضان القادم..
و هنا يبرز السؤال الجوهري/
أين ليلة القدر حقًا..؟
القرآن يجيب بوضوح :
” إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَ مَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ..”
(سورة القدر)

إنها ليلة نزول القرآن، اللحظة التي بدأ فيها أعظم تحول في تاريخ البشرية/
لحظة اتصال الأرض بالسماء، و العقل بالوحي، و الإنسان بالهداية..
في تلك الليلة لم تُوزَّع الثروات، و لم تُمنح الأمم القوة مجانًا، بل نزل كتابٌ يهدي للعمل، و يضع منهجًا لتغيير الإنسان و المجتمع و التاريخ..
قال الله تعالى :
” إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَ يُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا..”
(سورة الإسراء / الآية 9)
فالقرآن لا يعد بالنجاح لمن يتمنى، بل لمن يعمل الصالحات.
وهكذا يتضح أن ليلة القدر في معناها العميق ليست مجرد ليلة زمنية، بل لحظة حضارية غيّرت قدر أمة، عندما فهمت الوحي وعملت به.
أما تحويلها إلى ليلة أمنيات، تُعلَّق عليها الآمال دون جهد، فهو في الحقيقة إفراغ لرسالتها من معناها.
فالوحي لم ينزل ليجعل الناس ينتظرون المعجزات، بل ليحرّك عقولهم وأيديهم وأخلاقهم.
قال تعالى :
” إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ..”
(سورة الرعد / الآية 11)
هذه هي القاعدة القرآنية الكبرى/
التغيير يبدأ من الإنسان.. لا من ٱنتظار الليالي..
فمن فهم ليلة القدر على أنها ليلة أماني، فذلك فهمه..
ومن تحرّاها في العشر الأواخر تعبّدًا و ٱجتهادًا، فذلك ٱجتهاده..
أما معناها الأعمق في القرآن، فهو أن الله أنزل كتابًا ليغير به قدر الإنسان حين يغير نفسه..
فالليلة قد مضت.. لكن الرسالة باقية..
و القرآن ما زال بين أيدينا، ينتظر أمةً تقرؤه بعقولٍ يقظة، لا بأمنيات نائمة..
و حين تستيقظ الأمة، و تفهم أن الدعاء بلا عمل كالبذر بلا أرض، و أن الإيمان الحقيقي هو الذي يتحول إلى علمٍ و عملٍ و عدلٍ و عمران..

عندها فقط، قد تعود ليلة القدر..
لا في السماء، بل في تاريخ الأمة من جديد..

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة