في عالم تتصاعد فيه مخاطر الحرائق داخل المنشآت الصناعية والتجارية والمباني العالية، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا يخرج العديد من أصحاب هذه المنشآت من الكارثة بخسائر مضاعفة، لا تقتصر على الممتلكات المحترقة، بل تمتد إلى خسارة حقوقهم التأمينية بالكامل؟ الإجابة لا تكمن في سوء حظ، بل في غياب وثيقة صغيرة اسمها “شهادة استيفاء اشتراطات السلامة”، التي يخلط كثيرون بينها وبين “شهادة مزاولة النشاط”، وهو خلط يحول دون حصول المؤمن له على حقوقه، ويكشف ثغرة خطيرة في ثقافة التأمين السوداني تحديداً، حيث تتداخل المفاهيم وتسقط التفاصيل الجوهرية بين نصوص العقود وإجراءات الدفاع المدني. فالكثير من الشركات تتجاهل هذه الشهادة ظناً منها أن التوفير في تكاليف الوقاية هو ربح، بينما يتحول هذا التوفير إلى هلاك مالي مضمون عند أول حريق.
لفهم الإشكالية بدقة، يجب التفريق بين الشهادتين: “شهادة مزاولة النشاط” هي إذن قانوني عام تصدره الجهات الإدارية المختصة للسماح بتشغيل منشأة تجارية أو صناعية، وهي تعني أن النشاط مرخص من حيث المبدأ، لكنها لا تعني البتة أن المنشأة آمنة من مخاطر الحريق. أما “شهادة استيفاء اشتراطات السلامة”، فتصدر حصراً من قوات الدفاع المدني السوداني، وتُمنح بعد تفتيش دقيق يثبت أن المبنى أو المصنع أو المخزن يطبق كامل متطلبات الوقاية: مخارج طوارئ، طفايات، إنذار، رشاشات أوتوماتيكية، تخزين آمن، وكهرباء محصنة. هاتان الشهادتان ليستا بديلتين، بل مطلوبتان معاً، وسقوط إحداهما كافٍ لإسقاط الضمان التأميني. وجذور هذه المشكلة تمتد إلى ثقافة “التأمين الشكلي”، حيث يكتفي المؤمن لهم بدفع الأقساط السنوية دون أن يكلفوا أنفسهم عناء التحقق من استيفاء منشآتهم لأدنى متطلبات السلامة، بينما شركات التأمين، التي تعمل وفق منطق تجاري بحت، لا تطلب دائماً هذه الشهادة عند إصدار الوثيقة، بل تترك الباب مفتوحاً لاستثمار أي تقصير لاحقاً. وهنا يكمن الفخ القاتل: فعند وقوع حريق، يُرسل خبير التأمين لتقييم الموقع، فإذا اكتشف غياب طفايات الحريق، أو سوء التمديدات الكهربائية، أو عدم وجود مخارج طوارئ معتمدة، يُحكم فوراً بعدم أهلية المنشأة للتعويض الكامل.
نقترح أن تكون الشهادات بالألوان، فلا تبقى ثنائية (ناجح/راسب)، بل تُمنح وفق درجات تنفيذ الاشتراطات، وهو ما يجهله معظم المؤمن لهم. فإذا التزمت المنشأة بكل المتطلبات كاملة، نقترح منحها شهادة خضراء تعني “جاهز مثالي”، وتؤهل للحصول على تعويض كامل من شركات التأمين دون نقصان. أما إذا طبقت نسبة معقولة من الاشتراطات لكن مع وجود ملاحظات غير جوهرية، فنقترح شهادة صفراء، تعني “متوسط الخطورة”، وهنا قد تدفع شركة التأمين جزءاً من التعويض بعد خصم نسبة تعادل درجة القصور. وأخطرها الشهادة الحمراء، التي نقترح منحها فقط في حالات نادرة عند انعدام شبه تام لإجراءات السلامة، وهي تعني حكماً بسقوط التأمين بالكامل، وكأن العقد لم يكن موجوداً. هذه الألوان الثلاثة هي مفتاح البقاء المالي للمنشأة، لكن قلة من أصحاب المصانع والمخازن والمباني العالية يعرفونها. والوضع الراهن يرسم صورة قاتمة: من هنا يجب على اصحاب المنشآت المتوسطة والصغيرة، بل وحتى بعض المصانع الكبرى تطبيق اشتراطات السلامه المطلوبة واهمها أنظمة إنذار حديثة أو رشاشات أوتوماتيكية ، خراطيم مياه الحريق ، خزانات مياه الحريق ، مضخة مياه الحريق حسب تصنيف المنشاة، ناهيك عن التدريبات الدورية للعمال. ونؤكد عندما تشتعل النيران، تكتشف شركات التأمين أن المخازن لم تكن مصممة وفق معايير التخزين الآمن، أو أن مواد قابلة للاشتعال كانت مركومة بجوار لوحات كهربائية مكشوفة. في تلك اللحظة، لا تتوقف الخسائر على المبنى والمحتويات فقط، بل تضاف إليها غرامة إضافية تتمثل في رفض شركة التأمين دفع قيمة البوليصة، أو الاكتفاء بنسبة هزيلة لا تغطي ربع الضرر.
التبعات المباشرة مروعة: أصحاب المصانع والمخازن الذين ظنوا أنهم يؤمنون مستقبلهم يجدون أنفسهم أمام قرار “سقوط التغطية التأمينية” بالكامل، حيث تنص العقود بوضوح على أن عدم الحصول على شهادة استيفاء اشتراطات السلامة من جهة مختصة يمنح شركة التأمين الحق في إبطال العقد من تاريخه. ومع ذلك، تطورات لاحقة كشفت عن سلوك أكثر خطورة: بعض شركات التأمين تتعمد التغاضي عن طلب الشهادة أثناء التامين، لأنها تعلم أن أغلب العملاء لن يقرأوا التفاصيل الدقيقة، وعند وقوع الحريق تستخدم هذه الثغرة لتحويل الخسارة بالكامل إلى المؤمن له. بل إن بعض شركات التأمين تتعمد عدم طلب شهادة الاستيفاء وتكون من شروطها او يكون لها دور في الاكتتاب، لأنها تعلم أن أغلب المنشآت في السودان لا تستوفي حتى الحد الأدنى، وإذا طالبت بها لخسرت نصف عملائها، لذا تفضل بقاء الأمور غامضة، ثم تلجأ إلى حيلة قانونية تسقط التغطية لأن المؤمن له لم يثبت أنه استوفى الاشتراطات أصلاً. تحليل متعمق لهذه المعادلة يكشف عن مفارقة صادمة: وهنا نتسال هل شركات التأمين لديها مصلحة خفية في عدم معرفتها بمستوى السلامة الحقيقي لمنشآت عملائها، لأن الجهل المتبادل يسمح لها بتحصيل أقساط مرتفعة دون التزام حقيقي بالتغطية. فلو طالبت كل منشأة بشهادة استيفاء قبل إصدار الوثيقة، لارتفعت كفاءة السلامة، وانخفضت الحرائق، وبالتالي انخفضت أرباحها من الأقساط. لذلك، تفضل شركات التأمين استمرار الوضع المهلهل، حيث تدفع الأقساط كاملة، وعند الكارثة تدفع تعويضات ضئيلة أو صفراً، مستندة إلى غياب الشهادة التي لم تطلبها أصلاً.
في الختام، وهذا المقال كُتب بناءً على خبرتي السابقة التي تزيد على عشرين عاماً في التفتيش على إجراءات الوقاية والسلامة في المنشآت، حيث عملت مفتشاً في قوات الدفاع المدني بولاية الخرطوم، وتعاملت مع إجراءات الحرائق في المنشآت وتجاربها، وتابعت تعاملاتها مع شركات التأمين، وهو نتاج لتلك الخبرة الطويلة، لا مفر من استنتاج وحيد: شهادة استيفاء اشتراطات السلامة ليست رفاهية إدارية، بل هي الضمانة الوحيدة التي تحول دون تحويل وثيقتك التأمينية إلى قطعة ورق عديمة القيمة عند أول حريق. إننا نناشد كل شركة تأمين تعمل في السودان أن تتحمل مسؤوليتها الأخلاقية والقانونية: توعية المؤمن لهم بفارق الشهادتين، وألوان شهادة الدفاع المدني الثلاثة (وفق اقتراحنا)، وربط كل بوليصة بشرط صريح وواضح يقضي بوجوب تقديم شهادة استيفاء سارية (خضراء أو صفراء على الأقل) قبل سريان التغطية، مع تحديد نسبة الخصم في التعويض إذا كانت صفراء، ورفض التغطية كلياً إذا كانت حمراء أو غائبة. هذا الشرط ليس ضد شركات التأمين، بل هو لصالحها أولاً، ولصالح المؤمن لهم ثانياً، لأنه يخلق سوقاً أكثر شفافية، حيث يضطر كل صاحب منشأة إلى تطبيق السلامة حفاظاً على حقه في التعويض. وأصحاب المنشآت الذين يراهنون على التوفير في إجراءات الوقاية إنما يراهنون على أن حريقهم لن يحدث أبداً، وهو رهان تخسره الغالبية العظمى. الحل يبدأ بطلب تقييم سلامة مستقل قبل توقيع أي بوليصة، وإجبار شركة التأمين على التأكيد كتابياً بقبول الشهادة كشرط ساري، عندها فقط يمكن النوم مطمئناً أن التعويض الكامل ليس وهماً، بل حق مكتسب بالالتزام. لا سلامة بدون شهادة، ولا تعويض بدون استيفاء.


