في زمنٍ تتكاثر فيه التحديات وتضيق فيه المساحات الآمنة، يجلس اليوم طلابنا لامتحانات الشهادة السودانية للعام 2026م ، والتي تعتبر واحدة من أعظم معارك الصمود الوطني، لا بوصفها مجرد استحقاقٍ تعليمي، باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لإرادة شعبٍ قرر أن ينتصر للعلم رغم قسوة الواقع.
هذه الامتحانات تأتي في سياق استثنائي، حيث ما تزال البلاد تعيش آثار الحرب، وما خلّفته من نزوحٍ واسع، وانقطاعٍ في الخدمات، وتفاوتٍ حاد في فرص التعليم بين الطلاب. مدارس أُغلقت، وأخرى تحولت إلى مراكز إيواء، ومعلمون شُرّدوا، وطلابٌ وجدوا أنفسهم يدرسون في ظروفٍ أقرب إلى الطوارئ منها إلى البيئة التعليمية المستقرة. ومع ذلك، ظل الحلم قائمًا، وظلت دفاتر الطلاب مفتوحة على أمل العبور.
التحدي الأكبر لا يكمن في الجلوس لامتحان، وهو في القدرة على الوصول إليه. فهناك طلاب قطعوا مئات الكيلومترات من مناطق النزاع إلى مراكز الامتحانات، وآخرون يذاكرون على ضوء الشموع أو في خيام النزوح، في مشهدٍ يلخص مأساة جيلٍ كامل، لكنه في ذات الوقت يعكس صلابة نادرة وإيمانًا عميقًا بأن التعليم هو الطريق الوحيد للنجاة.
ورغم الجهود الكبيرة التي بذلتها الجهات المختصة لضمان قيام الامتحانات—من تأمين المراكز، إلى توفير الكوادر، إلى محاولة تحقيق قدرٍ من العدالة في توزيع الفرص—إلا أن التحديات ما تزال ماثلة. فالفجوة التعليمية بين الطلاب اتسعت، والضغط النفسي بلغ ذروته، والخوف من ضياع المستقبل بات هاجسًا يوميًا.
ومع ذلك، فإن إقامة الامتحانات في حد ذاتها تمثل رسالة قوية: أن الدولة، رغم كل ما تمر به، لم تتخلَ عن أحد أهم أعمدة بقائها—التعليم. وأن هذا الجيل، رغم ما تعرض له، لم يفقد بوصلته، ولم يسمح للظروف أن تسلبه حقه في الحلم.
إن امتحانات الشهادة السودانية 2026م ليست مجرد أوراق تُوزع وأقلام تُحرك، بل هي قصة كفاح تُكتب كل يوم. هي عنوان لمعركة بين اليأس والأمل، بين الانكسار والإصرار. وفي كل قاعة امتحان، يجلس طالب يحمل في داخله وطنًا كاملًا، يحاول أن يعيد بناءه بالعلم والمعرفة.
ختامًا، فإن نجاح هذه الامتحانات لا يُقاس بنسبة النجاح، لكنه يقاس بقدرة هذا الجيل على الصمود، وبإرادة وطن قرر أن يواصل الحياة رغم الجراح. فحين ينتصر التعليم في مثل هذه الظروف، فإنما ينتصر السودان كله.
مسارات د.نجلاء حسين المكابرابي. . امتحانات الشهادة السودانية 2026م… إرادة وطن تتحدى المستحيل


