وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي
موانئ السودان… عقدة القرار
الأسبوع الماضي كتبت في هذه الزاوية مقال “الساحل السوداني.. حدود القوة والتردد” كان بمثابة حجرٍ أُلقي في مياهٍ راكدة، فكشف دوائر القلق الكامنة تحت سطح النقاش العام من خلال ما وردني من ردود أفعال.
التفاعلات التي أعقبت المقال، حملت تأييد وتشكيك وحتى اتهام ،كما قدّمت مادة تحليلية لا تقل أهمية عن المقال نفسه، إذ عكست بوضوح أن قضية الموانئ في بلادنا لم تعد ملفًا اقتصاديًا، بل عقدة قرار سيادي بامتياز.
خلال التفاعلات برز عنصر الثقة كإشكال بنيوي. فبينما رأى البعض في العرض الهندي مؤشرًا إيجابيًا على اهتمام بالساحل السوداني، تعامل آخرون مع الأمر بحذرٍ بالغ، مستحضرين تجارب سابقة تداخلت فيها الاستثمارات مع الأجندات السياسية. هذا الانقسام كشف عن روح الانتباه الجديدة التي بدأ يتحلى بها المجتمع السوداني في إدارة الملفات الاستراتيجية، بإلزامه لصانع القرار بالوعي والشفافية التي تحفظ السيادة.
اللافت أن جزءًا معتبرًا من المداخلات اتجه إلى قراءة العروض المطروحة من زاوية “من يقف خلفها” في اشارة إلى دولة الإمارات لا “ما الذي تقدمه”. هنا ينتقل النقاش من تقييم الكفاءة الفنية إلى تفكيك الشبكات الجيوسياسية المحيطة بها. هذه المقاربة، حتى وإن بدت في بعض جوانبها أقرب إلى الشكوك، إلا أنها تعكس وعيًا لدي النخب بأن الموانئ يمكن أن تتحول إلى أدوات نفوذ، أو نقاط تأسيس غير مباشرة في صراعات الإقليم.
في المقابل كشفت مداخلات أخري من مهنين واكاديميين عن إشكال أكثر تعقيدًا، يتمثل في غياب آليات واضحة لطرح وإدارة مثل هذه المشاريع. فالسؤال الذي تكرر بإلحاح: هل ما يُقدم هو نتيجة عطاءات مفتوحة تستجلب أفضل الخبرات العالمية للتنافس ، أم مبادرات تأتي من خارج التخطيط الوطني؟ هذا السؤال، في حقيقته، يضع يدًا مباشرة على جوهر “عقدة القرار”: ليس من يستثمر فحسب، بل كيف يُتخذ القرار ومن يراقبه.
ومن زاوية أكثر حدة، أعادت بعض المداخلات استحضار البعد التاريخي للصراع على الموانئ، مشيرة إلى أن التنافس الإقليمي حول بورتسودان وسواكن ظل حاضرًا في خلفية المشهد السياسي لسنوات، وأنه لم يكن بعيدًا عن تعقيدات الصراع الذي انفجر في أبريل 2023. هذه الذاكرة الثقيلة تُفسر لماذا يُقابل أي تحرك في هذا الملف بحساسية عالية، ولماذا يُنظر إلى كل عرض، مهما بدأ اقتصاديًا، بوصفه احتمالًا سياسيًا خلفه طامعين.
ورغم هذا المناخ المشحون، برز اتجاه واقعي في التفاعلات يدعو إلى الحذر دون السقوط في فخ الانتظار. فالسودان كما أشار المقال الأصلي، لا يملك ترف التردد، لأن ترك الساحل دون استثمار فعّال لا يعني الحياد، بل يفتح المجال لفرض واقع من الخارج. غير أن هذا الاتجاه نفسه يربط بين سرعة التحرك وضرورة الانضباط الحكومي ، مؤكدًا أن الخطر لا يكمن في الاستثمار، بل في غياب قواعده والأسس التي تبنى عليه.
وفي مقابل هذه المطالب، عكست بعض التفاعلات هاجسًا أعمق يتعلق بطبيعة البيئة الحاكمة للقرار. فالتشكيك الذي طاول بعض الشركات لم يكن بالضرورة حكمًا نهائيًا عليها، بقدر ما كان تعبيرًا عن غياب الثقة في آليات التحقق نفسها. وهو ما يعيد التأكيد على أن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في “من يتقدم”، بل في “كيف نتحقق من كفاءته ” ومن يملك سلطة التقييم”.
إن ما كشفته هذه التفاعلات هو أن معركة الموانئ في السودان لم تعد محصورة في تقديم العطاء، بل انتقلت إلى فضاء الوعي العام، حيث تُختبر مصداقية الدولة، وتُفكك الروايات، وتُبنى أو تُهدم الثقة. وهذا في حد ذاته تطور مهم، لأنه يضع صانع القرار أمام رقابة مجتمعية لا يمكن تجاهلها.
بحسب #وجه_الحقيقة فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين الاستثمار أو التردد، بل في كيفية بناء نموذج وطني لإدارة الموانئ يتجاوز عقدة القرار ، يقوم على الشفافية، ويخضع لرقابة الحكومة، ويوازن بين الحاجة إلى التمويل والخبرة التاريخية، ومتطلبات السيادة والأمن القومي.
فالموانئ ليست مجرد أرصفة وسفن، بل مفاتيح للقرار الوطني. لذلك تبدو موانئ السودان وكأنها تختصر معضلة الدولة : بين إغراء الفرص وضغط الأطماع، بين استعجال الإنقاذ وخطر التنازل. وفي هذا المفترق، لا يكفي أن نكون يقظين، بل يجب أن نكون أصحاب قرار… لأن من لا يملك موانئه، لا يملك مستقبله.
دمتم بخير وعافية.
السبت 18 إبريل 2026 م Shglawi55@gmail.com


