لم تكن مشاركتي في فعاليات المؤتمر العلمي الدولي الرابع عشر بجامعة عين شمس، وتحديداً خلال جلسة “دور الإعلام في تعزيز الوعي المجتمعي”، مجرد حضور بروتوكولي لكاتب صحفي يتابع حدثاً أكاديمياً، بل كانت وقفة تأمل عميقة أمام مخرجات منصة فكرية رفيعة رفعت شعار “الجامعات قاطرات للتنمية الوطنية”. وبينما كان الخبراء والأكاديميين وصناع القرار في مصر الشقيقة يطرحون رؤاهم حول صياغة وعي مجتمعي يواكب الجمهورية الجديدة، كان عقلي يرتد لا إرادياً نحو “السودان”؛ الوطن الذي يمر بمرحلة مفصلية يحتاج فيها، أكثر من أي وقت مضى، إلى إعلام لا يكتفي بنقل الخبر، بل يصنع الأمل ويوجه دفة الوعي نحو البناء وسط ركام التحديات.
لقد لفت انتباهي في الجلسة التي أدارتها عميدة كلية الإعلام بجامعة عين شمس، التركيز الجوهري على محور “بناء الإنسان” كأولوية قصوى. هذا الطرح يضعنا في السودان أمام مرآة الحقيقة؛ فالتنمية المستدامة التي ننشده ليست مجرد أرقام اقتصادية أو مشروعات بنية تحتية، بل هي “عقل جمعي” يدرك حجم المسؤولية الوطنية.
إن الدعوات التي أُطلقت خلال الجلسة بضرورة أن “يلمس الإعلام حياة المواطن اليومية” ويقدم حلولاً عملية، هي بالضبط ما ينقصنا في المشهد السوداني الحالي. نحن بحاجة إلى الانتقال من “إعلام الأزمات” الذي يغرق في تفاصيل الصراع والجدل السياسي العقيم، إلى “إعلام الحلول” الذي يبسط المفاهيم الاقتصادية والاجتماعية للمواطن البسيط، ويجعله يدرك أن دوره في الإنتاج والتعمير هو حائط الصد الأول ضد الانهيار.
شدد المتحدثون في المؤتمر على ضرورة صياغة خطاب إعلامي مبسط يدرك المواطن أبعاده. وفي السياق السوداني، نجد فجوة كبيرة بين النخب الفكرية والإعلامية وبين القواعد الشعبية. إن تعزيز الوعي في مجتمعنا يتطلب لغة تخاطب الوجدان السوداني دون تعقيد، لغة تحول “المشروعات القومية” و”الرؤى الاستراتيجية” من مصطلحات باردة في قوالب أكاديمية إلى واقع معيش يفهمه المزارع في الجزيرة، والعامل في بورتسودان، والنازح الذي ينتظر العودة لإعمار أرضه.
لقد أكدت الجلسة أن الإعلام شريك في “بناء الوطن” وليس مجرد مراقب له. وهذا يتطلب من مؤسساتنا الإعلامية في السودان التخلي عن الأساليب التقليدية والتوجه نحو محتوى جاذب، غير تقليدي، يستثمر في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي – كما ناقش المؤتمر – لتعزيز ريادة الأعمال وتوطين الصناعات، بدلاً من استهلاك الطاقات في التحريض أو اليأس.
إن شعار المؤتمر “الجامعات قاطرات للتنمية” يطرح معادلة مفقودة في السودان؛ وهي التكامل بين البحث العلمي والمؤسسات الإعلامية. جلسة عين شمس أثبتت أن العلم هو الذي يجب أن يقود الرأي العام. وفي تجربتنا السودانية، نحتاج لمثل هذه المنصات التي تجمع العلماء والخبراء وصناع القرار مع قادة الرأي الإعلامي، لنخرج بوعي مجتمعي محصن بالعلم، وقادر على مجابهة الشائعات وتفكيك خطاب الكراهية الذي بات يهدد النسيج الاجتماعي.
بالنظر إلى ما طُرح في جامعة عين شمس حول “التقييم متعدد الأبعاد” ودور الإعلام في ترسيخ القيم والأخلاق، أجدني كصحفي سوداني أطالب بضرورة استنساخ هذه التجربة بروح سودانية، من حيث أنسنة الإعلام، ليتحول اعلامنا من رصد المآسي إلى رصد “فرص النهوض”، وتسليط الضوء على المبادرات المجتمعية التي تعكس قيم التكافل والإعمار، الى جانب ضرورة الشراكة مع الأكاديمية، فيجب أن تخرج الجامعات السودانية من أسوارها لتقود الوعي الإعلامي، بحيث تصبح مراكز البحوث هي المصدر الأساسي للمحتوى التنموي، وبالتالي تعزيز إعلام التنمية المستدامة والتركيز على قضايا الأمن المائي والغذائي والطاقة من منظور وطني خالص، وربطها بوعي المواطن بأهمية الموارد التي يمتلكها السودان.
ختاماً، إن جلسة الإعلام في مؤتمر عين شمس كانت تذكيراً بأن الوعي هو “السلاح الناعم” الأقوى في معارك البناء. والسودان اليوم، وهو يقف على عتبة مستقبل نتمناه مشرقاً، يحتاج إلى إعلام يتبنى فلسفة “بناء الإنسان” قبل “رصف البنيان”، إعلام يدرك أن دوره ليس نقل الواقع فحسب، بل تغييره نحو الأفضل، مستلهماً من تجارب الأشقاء التي تثبت أن التنمية تبدأ من “كلمة” صادقة و”وعي” مستنير.
Ghariba2013@gmail.com


