41.6 C
Khartoum
السبت, مايو 30, 2026

شيء للوطن م. صلاح غريبة – مصر سيادة الأرض وعقيدة الفداء: بارا تكتب مأثرة الصمود الضاري

إقرأ ايضا

في مسارات حروب التمرد التي تنهش جسد الدولة السودانية، تتجاوز بعض المحطات كونها مجرد “أحداث أمنية” أو أرقام تضاف إلى سجلات الضحايا، لتدخل مباشرة في تعميمات التاريخ بوصفها ملاحم وجودية تصيغ معاني الكرامة الوطنية. ما شهدته محليّة غرب بارا بولاية شمال كردفان، وتحديداً قرية “المرة” والقرى المتاخمة لها مثل “أم سعدون الشريف”، يمثل تجلياً صارخاً لمعادلة الصراع الراهن في السودان: صراع بين عقيدة الأرض والانتماء، وبين آلة البغي والترويع الممنهج.
إن الهجوم الغادر والمفاجئ الذي شنته الميليشيات المتمردة على هذه القرى الآمنة، لم يكن مجرد خرق عسكري في رقعة جغرافية مكشوفة، بل كان استهدافاً مباشراً للمجتمعات المحلية في قيمها، ومحاولة لكسر إرادتها الصلبة. وفي ظل غياب الوجود العسكري النظامي في تلك المناطق السكنية، ومحاولة الاستفراد بالمدنيين العُزّل في توقيت يحمل رمزية دينية واجتماعية مقدسة، تجلت أسمى قيم التضحية والفداء. لقد حمل شباب المنطقة سلاحهم، لا رغبة في الحرب ولا إعلاءً لرايات الاحتراب الأهلي، بل اضطلاعاً بمسؤوليتهم الوطنية والأخلاقية لحماية الأرض والعِرض.
تكمن عظمة المعركة الشرسة التي خاضها أبناء المنطقة (دار حامد) في الفارق الهائل في العتاد والإمكانات بين مجتمع محلي يدافع بأسلحته التقليدية والذاتية، وبين ميليشيا منظمة تمتلك أدوات القتل الجاهزة والسيارات القتالية. ورغم هذا التفاوت، كانت المواجهة ملحمية؛ حيث قدمت المنطقة 38 شهيداً بجانب المصابين. من خيرة شبابها، الذين سقطوا في خطوط الدفاع الأولى وهم يتصدون للعدوان المباغت.
هذه الدماء التي روت تراب شمال كردفان ليست مجرد خسارة فادحة في أرواح بريئة، بل هي بيان بالدم يؤكد أن المجتمعات المحلية السودانية لم ولن تقبل بمشاريع الإذلال والتهجير القسري. إن استشهاد هؤلاء الشباب، والذين كان من بينهم كبار سن استُهدفوا بدم بارد، يوضح بجلاء طبيعة العقيدة القتالية للميليشيات المتمردة، والتي تقوم على ترهيب المدنيين، ونهب الممتلكات، وتفكيك البنية الاجتماعية للمناطق الآمنة لفرض واقع ديموغرافي وسياسي جديد.
لم تكن هذه المجتمعات يوماً غريبة على مسرح الصمود؛ فالتاريخ يشهد لها بالتماسك الاجتماعي والانتماء الوطني الراسخ. ورغم أنها ظلت من أكثر المكونات الاجتماعية في ولاية شمال كردفان معاناةً من انتهاكات الميليشيا المتمردة، ورغم الهجمات المتكررة التي خلفت خسائر فادحة وأجبرت مئات الأسر على النزوح إلى المجهول ومواجهة أوضاع إنسانية بالغة التعقيد، إلا أن الموقف العام ظل ثابتاً لا يتزحزح.
إن هذا الصمود المستمر يكشف بوضوح عن فشل استراتيجية الميليشيا القائمة على ترويع القرى لضمان استسلامها. فكلما ازدادت وتيرة الاعتداءات، تعمق وعي المواطنين بضرورة المقاومة الشعبية والذاتية كخيار حتمي للحفاظ على البقاء. إن معادلة “الأرض والعِرض” في الوجدان الكردفاني والسوداني عامة ليست شعارات تُرفع، بل هي عقيدة تُمارس على الأرض، وقد أثبتت أحداث غرب بارا أن قوة المجتمعات تُصنع بالإيمان بالحق والتمسك بالقيم الوطنية، مهما تعاظمت التحديات وسالت الدماء.
تأتي الإدانات الحقوقية والطبية، ولا سيما الإدانة الصادرة عن شبكة أطباء السودان، لتضع هذه المجزرة في سياقها القانوني الصحيح؛ فهي جريمة حرب مكتملة الأركان وانتهاك صارخ للقانون الإنساني الدولي ولكافة الأعراف والمواثيق الدولية التي تحظر استهداف المدنيين والقرى السكنية الخالية من المظاهر العسكرية. تصفية المواطنين بهذه البشاعة في قراهم ومزارعهم يعكس توجهاً ممنهجاً يهدف إلى إحداث كارثة إنسانية شاملة، عبر دفع المتبقين نحو النزوح القسري وتجفيف سبل الحياة والإنتاج في مناطق كانت تمثل سلة غذاء واستقرار للولاية.
ومع ذلك، يظل الموقف الدولي والإقليمي قابعاً في تبلده المعهود، مكتفياً بإصدار بيانات القلق والتعازي، دون ممارسة ضغوط حقيقية وملموسة على قيادات الميليشيا لوقف آلة القتل المتنقلة بين قرى السودان. إن حماية المدنيين في شمال كردفان وفي كل بقاع السودان ليست منة من أحد، بل هي التزام أخلاقي وقانوني يقع على عاتق المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية التي يجب عليها التحرك العاجل لوقف هذه الدوامة الكارثية.
إن ما جرى في قرى غرب بارا يدق ناقوس الخطر الأخير بشأن حجم التحديات الأمنية التي تواجه المجتمعات المحلية في شمال كردفان، في ظل اتساع رقعة النزاع والانفلات الأمني الناجم عن سلوك الميليشيا المتمردة. لم يعد مجدياً التعامل مع هذه الاعتداءات مجرد حوادث معزولة، بل يجب أن تدفع هذه الدماء الزكية نحو تغيير شامل في المقاربة الأمنية والعسكرية بضرورة تعزيز الوجود العسكري النظامي وتأمين القرى الآمنة وحمايتها من الغدر الممنهج، وتعزيز الإسناد المجتمعي والوطني بدعم صمود هذه القبائل والمكونات الاجتماعية وتوفير مقومات البقاء لها إنسانياً وخدمياً وصحياً، فالأسر المتضررة تواجه الآن ظروفاً بالغة التعقيد تتطلب استجابة عاجلة، بجانب التوثيق والمحاسبة برصد كافة هذه الانتهاكات ورفعها إلى المحافل الدولية لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب، وتحويل دماء الشهداء إلى رافعة قانونية تحاصر المجرمين.
ستظل دماء شهداء بارا وغرب كردفان وكل شبر من أرض السودان، رمزاً خالداً للفداء والدفاع عن الأرض والكرامة. لقد خطّ هؤلاء الشباب بدمائهم الطاهرة فصلاً جديداً من فصول العزة، وأثبتوا أن الأرض التي تحرسها عقيدة بنيها لا يمكن أن تسقط في يد الغزاة والمخربين. نسأل الله العلي القدير أن يتقبل الشهداء في عليين، وأن يمنّ بالشفاء العاجل على الجرحى والمصابين، وأن يلم شمل المفقودين بذويهم، ويفك قيد المأسورين، وأن يحفظ السودان وشعبه ومجتمعاته الصابرة من كل سوء، وينعم على هذا الوطن بالسلام والاستقرار والعدالة الحقيقية.

Ghariba2013@gmail.com

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة