39.4 C
Khartoum
الأحد, مايو 31, 2026

منزل الشيخ الدكتور حسن الترابي يستقبل أول معايدة منذ الحرب ويحوّل ذكراه إلى جسر للتقارب الوطني قلم وطني بقلم: خالد المصطفى

إقرأ ايضا

بعد ثلاث سنوات من الغياب القسري الذي فرضته رحى الحرب على تفاصيل الحياة اليومية في السودان، استعاد منزل الشيخ الدكتور حسن الترابي، زعيم الحركة الإسلامية السودانية، صباح اليوم الأحد 31 مايو 2026، دورَه التاريخي كقبلة للفاعلين في المشهدين السياسي والاجتماعي، وذلك عبر أول مراسم معايدة رسمية وشعبية تُقام فيه منذ الحرب.

ففي مشهد حمل دلالات رمزية عميقة، توافد تلامذة الراحل وقيادات سياسية وشخصيات عامة إلى المنزل الواقع في قلب الخرطوم، لتبادل التهاني بمناسبة عيد الأضحى المبارك، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت هذه العودة بعد الحرب إلى فضاءٍ كان طوال عقود ملتقى للحوار والتوافقات الوطنية، إنما تعكس مؤشراً مبكراً على بوادر التئام النسيج الاجتماعي الذي مزقته الحرب، أم أنها استعادة الحنين لعبقرية الشيخ الدكتور حسن الترابي.

وقد أظهرت مقاطع فيديو وصور متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي إقامة أول معايدة بالمنزل منذ الحرب، وسط حضور لافت لقيادات سياسية وشخصيات اجتماعية، الأمر الذي منح الحدث اهتماماً واسعاً وتفاعلاً ملحوظاً في الأوساط السودانية.

تعود جذور رمزية هذا المنزل إلى عقود خلت، حيث كان الشيخ الدكتور حسن الترابي، الذي رحل عن عالمنا قبل سنوات، قد حوّل منزله المتواضع إلى منبر مفتوح وفضاء عمومياً بامتياز، يستقبل فيه الجميع من وزراء وسفراء قيادات الحركة الاسلامية، بل وكان الخصوم أنفسهم يلتقون على سجاداته المطرزة في جلسات كانت غالباً ما تسبق اتفاقات كبرى أو تنهي أزمات طاحنة.

لكن الحرب التي اندلعت قبل ثلاث سنوات قطعت هذا التقليد تماماً، وحوّلت المنطقة المحيطة بالمنزل إلى خطوط تماس ومواقع اشتباك، مما جعل إقامة أي نشاط اجتماعي فيه ضرباً من المستحيل.

ومع ذلك، فإن ما شهده المنزل اليوم لم يكن مجرد احتفال عابر، بل جاء بمثابة اختبار حقيقي لقدرة المجتمع على تجاوز تداعيات الحرب، حيث حرص الحضور على تأكيد أن التماسك الوطني يمكن أن ينمو حتى في التربة الأكثر تضرراً بالحرب.

على أرض الواقع، امتلأت قاعات المنزل وأروقته بأكثر من مائتي شخص، بينهم وجوه كانت على طرفي نقيض خلال السنوات الماضية، لكن أجواء العيد بدت أقوى من الانقسامات.

تبادلوا العناق والتهاني، وتناثرت الأحاديث الجانبية ليس فقط حول استعادة الأمن والاستقرار، بل حول أهمية إحياء منهج الشيخ الدكتور حسن الترابي في “الحوار مع الجميع”، وهو ما يشير إلى أن ذكرى الرجل ما زالت حيّه لإعادة بناء الجسور التواصل.

وفي تطور لافت، تفاعلت منصات التواصل الاجتماعي بشكل انفعالي مع الصور المتداولة من المنزل؛ حيث رأى فيها محللون سياسيون رسالة صمود غير معلنة مفادها أن الحياة قادرة على استعادة إيقاعها تدريجياً في العاصمة، بينما اعتبرها متشككون محاولة لإعادة إحياء إرث سياسي معقد في توقيت بالغ الحساسية.

لكن القراءة الأكثر عمقاً لهذا الحدث ربما تكمن في استحضاره العبقري لشخصية الشيخ الدكتور حسن الترابي نفسه، ذلك الرجل الذي أتقن فن تحويل المناسبات الاجتماعية إلى مناورات سياسية ذكية.

فالمعايدة في منزله لم تكن أبداً مجرد كرم ضيافة، بل كانت خضورا سياسياً بامتياز يُختبر فيه وزن الشخصيات ويُقرأ فيه ميزان القوى.

واليوم، يُعيد تلامذته ومريدوه إنتاج هذا النموذج نفسه، ربما ليس بوعي كامل، لكنهم بذلك يبعثون برسالة مفادها أن طريقة الشيخ الدكتور حسن الترابي في إدارة الاختلاف – القائمة على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة حتى في أشد لحظات القطيعة – قد تكون المفتاح للخروج من النفق المسدود الذي تعيشه البلاد حالياً.

وفي هذا السياق، أشار مراقبون إلى أن اختيار هذا التوقيت تحديداً، أي بعد ثلاث سنوات من الحرب، يحمل ذكاءً تكتيكياً، لأنه يخلق حالة من “التطبيع الاجتماعي” مع فكرة العودة إلى الحياة الطبيعية، دون أن يضطر أي طرف للإعلان عن موقف سياسي صريح.

في الختام، تجاوزت معايدة منزل الشيخ الدكتور حسن الترابي اليوم كونها مجرد مناسبة موسمية للتهاني، لتصبح حدثاً استثنائياً يعيد إلى الأذهان عبقرية رجل كان يعتقد أن “السياسة تبدأ من غرفة المعيشة”؛

وبينما تترقب البلاد تتطورات سياسية مرتقبه وجهود تحقيق الاستقرار الوطني الشامل، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع هذه الذكرى المتجددة التي تجسّدت في مصافحة العيد أن تشكل نواة لمصالحة أوسع، أم أنها ستبقى ومضة عابرة في ليل طويل ينتظر الصباح ان يشرق؟

الأيام وحدها كفيلة بتقديم الإجابة، لكن ما حدث اليوم في منزل الراحل يؤكد أن إرث الشيخ الدكتور حسن الترابي لا يزال، حتى بعد رحيله، فاعلاً ومؤثراً في نبض الشارع السوداني.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة