في صمت مطبق لم تلتقطه كاميرات ولا رصدته استخبارات، كان الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان قائد القوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة يخيط نصرًا مختلفًا تمامًا عن كل ما عرفته الحروب التقليدية. لم يعلن عن خططه، لم يصرح بتفاصيل تكتيكاته، بل أتقن فنًا نادرًا في القيادة: أن يبقى وحده من يعرف ما يدور في خلده، بينما الجميع يراهن على سيناريوهات لا تمت للحقيقة بصلة. هذه العبقرية الفائقة في المناورة بين الخداع العسكري والسياسي هي التي عانقت نظرية “الحفر بالإبرة”، لتصنع معًا أداة تحرير بطيئة النصر استنزفت العدو، ولكن نظريته التي ابتكرها كانت قاتلة، أعادت المدن إلى أحضان الوطن شبرًا شبرًا دون أن يشعر الخصم بأنه يُحاصر حتى أصبح داخل الطوق.
جوهر عبقرية الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان لم تكن القوة المباشرة، بل القدرة على إدارة وهم دويلة الشر وقادة مليشيا الدعم السريع الإرهابية. بحسب متابعين للشأن العسكري، أدار الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان معادلة ذكية مفادها: “اجعل خصمك يعتقد أنك تفعل شيئًا واحدًا، بينما تفعل العكس تمامًا”. هنا تمكّن من إدارة الوهم كما سميتها، وكان يلعب بعقول قادة مليشيا الدعم السريع الإرهابية ودويلة الشر. ففي الوقت الذي كان فيه الخطاب السياسي يوحي بهدنة وشيكة أو انشغال القوات بجبهة بعيدة، كانت الإبرة تثقب الجدار الدفاعي للعدو من زوايا لا يتوقعها أحد. هذا التلاقي بين كتمان النية وتنفيذ التحركات الصامتة هو ما حوّل نظرية “الحفر بالإبرة” من مجرد وتيرة بطيئة إلى عبقرية خداع عسكري وسياسي متكامل، حيث كان العدو يظن أنه أمام مكاسب زمنية، بينما كان يخسر نقاطًا استراتيجية دون أن يدري.
شهدت ساحات القتال تجليات مذهلة لعبقرية الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان. في معركة تحرير العاصمة الخرطوم، لم يكن التقدم على الجبهات خطيًا كما يوحي به البعض، بل كان عبارة عن اختراقات مفاجئة من محاور ظلت مغلقة لشهور؛ فبينما ركزت استخبارات العدو على محوري أم درمان وبحري، كانت “الإبرة” تثقب الدفاعات من قلب الخرطوم بتحركات ليلية دقيقة وأعمق مما كان العدو يتخيل. وفي جبهة ود مدني، كانت هناك “قصة للتاريخ”، كما وصفها الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بنفسه، حين ظلت المدينة محاصرة لأسابيع في صمت تام قبل أن تنكشف خريطة الحصار الكاملة ليجد العدو نفسه في فخ لا مخرج منه. وفي سنار وكردفان وأجزاء واسعة من النيل الأزرق، لعب الانشقاق الاستراتيجي لقادة كبار – بفعل عمليات الاختراق والتوغل التي أتقنتها الاستخبارات – دورًا محوريًا في تفتيت صخرة التمرد من الداخل. هنا نقف إجلالاً وشموخًا للاستخبارات العسكرية، ونحيّ قائد الاستخبارات العسكرية في السودان، الفريق ركن محمد علي أحمد صبير، الذي لعب دورًا محوريًا في تفتيت صخرة التمرد من الداخل. كما طبقت النظرية في حرب المدن ببراعة نادرة: استخدام ضربات جراحية دقيقة لحماية المدنيين وتدمير التمرد في مكامنه دون حاجة لحروب شاملة تدمّر المرافق.
لم تكن هذه القدرة وليدة الصدفة، بل نتاج قراءة معمقة لطبائع الصراع في البيئات المعقدة. الفريق ركن عبد الفتاح البرهان، وفق تقديرات خبراء استراتيجيين، امتلك سمة القادة العظام: الصبر الطويل مع القدرة على الاحتفاظ بالسرية التامة. لم يُطلع أحدًا على خريطة تحركاته الكاملة، لا حتى أقرب المقربين. كل مرحلة كانت تُكشف للقادة الميدانيين عند لحظة التنفيذ فقط، مما جعل المعلومات المسربة شبه مستحيلة. هذا المستوى من الاحترافية في إخفاء النوايا هو جوهر العبقرية السياسية التي مكنته من خداع أطراف إقليمية ودولية راهنت على استمرار الجمود، بينما كان يحفر بهدوء نحو النصر.
هذه العبقرية النادرة لم تمر مرور الكرام على المراكز البحثية والخبراء العسكريين حول العالم. خبراء عسكريون دوليون وصفوا النظرية التي أطلقها البرهان بـ”نظرية الحفر بالإبرة” بأنها تكتيك استنزاف دقيق استهدف شل قدرات العدو وضرب قوته الصلبة وتكبيده خسائر فادحة في الأرواح والعتاد. كما أن هناك حديثًا في مراكز الدراسات الاستراتيجية عن “إبرة البرهان” – كما سميت عالميًا – وهي التي أذهلت الدوائر السياسية والعسكرية بفضل قدرتها على تغيير موازين القوى، لدرجة أن نظرية القائد الملهم أعادت كتابة تاريخ الحرب والانتصار، كما ذكرت تحليلات متخصصة عالمية، وأصبحت منهجًا يُدرَّس في كبرى الأكاديميات العسكرية في العالم.
في الختام، نحن أمام أنفسنا نقف مذهولين بعبقرية الفريق ركن عبد الفتاح البرهان التي أذهلت الشعب السوداني والعالم. يبقى السؤال: بأي اسم يخلد التاريخ هذه العبقرية؟ ما سوف يفعله سعادة البرهان بإخراج آخر جندي للعدو بالسلاح، وتحرير الوطن من الاحتلال، هو الاستقلال الحقيقي للوطن الذي يتمناه كل الشعب السوداني، فهو يستحق اسمًا يمزج بين المحرر وقائد الاستقلال. بنظريته “الحفر بالإبرة” التي أذهل بها العالم كله، وكانت سلاحه المفضل لضرب “صخرة التمرد وتفتيتها”، أثبت للشعب السوداني أنه “الفاتح” الذي سوف يحرر البلاد كما حرر الفاتحون السابقون أرضهم. لذا، نقترح أن يخلد التاريخ هذا القائد بـ “قائد نظرية الحفر بالإبرة وصانع النصر البطيء ورجل الاستقلال الثاني”، ويعتبره السودانيون قائد الاستقلال الحقيقي، وهو الذي لم يحرر البلاد من مستعمر خارجي فقط، بل إنه سوف يحرر السودان من الاحتلال الداخلي بالسلاح، وسوف يعيد السيادة الكاملة إلى الوطن بعد أن استهدفته قوى الشر وحارب 17 دولة، ومن ضمنهم دويلة الشر، والآن – إن شاء الله – هو على مشارف النصر المبين، وبنظريته سوف يسحق مليشيا الدعم السريع في كافة المحاور وفي كل المدن التي تم احتلالها. وهذا ما سوف يفعله سعادة البرهان بعينه. وسوف يظل اسمه خالدًا إلى الأبد في قلوب السودانيين الأحرار.


