منذ عام 1973 يحتفي العالم في الخامس من يونيو باليوم العالمي للبيئة، وهي المناسبة التي يقودها برنامج الأمم المتحدة للبيئة لتسليط الضوء على القضايا البيئية الأكثر إلحاحاً. وقد اختير للعمل المناخي شعار هذا العام: “الكوكب لا يجادل ولا يفاوض.. بل يرسل إشارات”، في إشارة إلى التحديات التي تفرضها التغيرات المناخية على الدول والمجتمعات.
في السودان تكتسب هذه المناسبة بعداً مهماً في مرحلة ما بعد الحرب، بالنظر إلى أهمية تشكيل الأولويات الوطنية ضمن سياق إعادة الإعمار واستعادة الدولة. ورغم الإعلان عن الوجود الغائب لوزارة البيئة ضمن حكومة الدكتور كامل إدريس، فإن هذا القطاع لا يزال يعاني من غياب واضح في العمل التنفيذي وتراجع حضوره في خطاب السياسي التنموي.
هذا الغياب في مقابل ضرورة الحضور، يكشف خللاً في إدراك أهمية البيئة داخل معادلة التنمية في حكومة الأمل، خصوصاً في ظل نقاشات يجري تداولها حول احتمال دمجها مع قطاع الموارد المائية، بعد دمج الزراعة والري كما هو قائم حالياً، بما يعكس استمرار التردد في حسم موقع البيئة كقطاع استراتيجي مهم ضمن رؤية الدولة للنهوض .
في هذا الإطار تبرز غابة السنط باعتبارها من أعرق المحميات الطبيعية في السودان، أُدرجت ضمن منظومة المحميات الطبيعية منذ عام 1939، وتمتد على مساحة تقارب 1500 هكتار على الضفة الشرقية للنيل الأبيض بالقرب من ملتقى النيلين. كما تمثل موئلاً طبيعياً للعديد من الطيور المهاجرة والمستوطنة، ومكوناً أساسياً من مكونات التوازن البيئي للعاصمة، فضلاً عن ارتباطها الرمزي بشجرة السنط الغنية بالفوائد.
شهدت غابة السنط خلال سنوات الحرب اعتداءات بواسطة مليشيا الدعم السريع، إلى جانب تعرض أجزاء منها للتجريف والحرائق ، و تعديات على الأشجار ارتبطت بضغط المعيشة وغياب بدائل الوقود، بجانب اختلاط الضرورة اليومية بغياب السلطة الإدارية لحماية البيئة. هذا الواقع جعل الغابة تنتقل من كونها محمية طبيعية إلى فضاء فوضوي، عكس تراجع قدرة الدولة على إدارة مواردها الطبيعية خلال الحرب، بما يضع ملفها اليوم أمام استحقاق إعادة تأهيل شامل في سياق رؤية إعادة الإعمار.
غير أن الحديث عن إحياء غابة السنط لا ينبغي أن يُفهم باعتباره دعوة لإعادة إنتاج الواقع القديم بكل مشكلاته. فالحقيقة أن الغابة، خلال سنوات طويلة، عانت من الإهمال وضعف الإدارة وانعدام الخدمات ، الأمر الذي جعل أجزاء منها تتحول إلى مرتع للجريمة والإنفلات الأمني . لذلك فإن التحدي الحقيقي هو في أهمية توظيف الموقع ضمن رؤية الخرطوم الجديدة.
تنطلق الفكرة من تحويل البيئة إلى محرك للتنمية. فالسنط تمتلك مقومات تؤهلها لتصبح مشروعاً حضرياً حديثاً يجمع بين المحمية الطبيعية والمتنزه العام والسياحة البيئية والاستثمار المستدام، بما يجعل إعادة تأهيلها جزءاً أصيلاً من مشروع إعادة بناء الخرطوم. وقد أثبتت التجارب العالمية أن المدن الخارجة من الحروب لا تكتفي بإعادة الإعمار المادي، بل تعيد صياغة فضاءاتها وفق معايير الاستدامة والاقتصاد الأخضر وجودة الحياة.
ومن هذا المنظور، تمثل غابة السنط فرصة لمشروع متكامل يربط بين حماية البيئة والاستثمار والسياحة والترفيه مستندا، إلى موقعها الاستراتيجي على ضفاف النيل الأبيض، بما يؤهلها لتكون واجهة للجذب السياحي تضم منتزهات طبيعية ومرافق خدمية وتعليمية، بما يوازن بين صون الطبيعة والمحافظة علي مكانتها البيئية وتعظيم العائد التنموي.
في ظل التحول العالمي نحو الاقتصاد الأخضر، لم تعد الموارد الطبيعية مجرد عناصر بيئية تستوجب الحماية، بل أصولاً تنموية قادرة على جذب الاستثمارات وبناء شراكات داعمة للتنمية. ومن هذا المنطلق ، تمثل إعادة تأهيل غابة السنط فرصة لتحويل مورد مهمل إلى قيمة اقتصادية ومجتمعية منتجة. وبذلك تتجاوز الخرطوم الجديدة مفهوم إعادة الإعمار المادي إلى بناء واقع أكثر تصالحاً مع البيئة واستثماراً للموارد، ضمن رؤية للمستقبل تسهم في إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والإنسان والمكان والطبيعة .
في اليوم العالمي للبيئة، بحسب #وجه_الحقيقة، تبقى الرسالة الأهم أن مستقبل الخرطوم لا يُبنى بالإسمنت وحده، بل بالشجر أيضاً، وأن الاستثمار في البيئة شرطا لنجاح التنمية. ويزداد هذا المعنى إلحاحاً في ظل غياب حضور ملف البيئة داخل أولويات الحكومة رغم الإعلان عنه، بما يعكس الحاجة إلى تحويله إلى همّ تنموي حقيقي. فغابة السنط التي شكّلت جزءاً من ذاكرة الخرطوم، يمكن أن تتحول إلى أحد عناوين مستقبلها إذا أُحسن توظيفها ضمن رؤية وطنية تجعل من البيئة ركيزة للسلام وإعادة الإعمار والتنمية المستدامة، هكذا نريد الخرطوم الجديدة.
دمتم بخير وعافية.
الأحد 7 يونيو 2026 م Shglawi55@gmail.com
#غابة_السنط
#الخرطوم_الجديدة
#اليوم_العالمي_للبيئة
#السودان
#إعادة_الإعمار
#التنمية_المستدامة
#الاقتصاد_الأخضر
#البيئة_في_السودان
#إعادة_تأهيل_غابة_السنط
#برنامج_الامم_المتحدة_للبيئة
#إبراهيم_شقلاوي


