في الوقت الذي يعلق فيه السودانيون امالا كبيرة على مرحلة ما بعد الحرب وإعادة بناء الدولة تواصل الأوضاع الاقتصادية إرسال إشارات مقلقة كان اخرها القفزة المتسارعة في أسعار العملات الأجنبية بعدما تجاوز سعر الدولار حاجز الأربعة آلاف جنيه في تطور يعكس حجم التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني.
ولم تكن الأزمة الاقتصادية وليدة اللحظة بل هي نتاج تراكمات طويلة من السياسات المتعثرة والاضطرابات السياسية والأزمات العالمية قبل أن تأتي حرب الخامس عشر من أبريل لتضيف أعباء غير مسبوقة على الاقتصاد وتدفع بمؤشرات الإنتاج والاستثمار والتجارة إلى مستويات حرجة.
ومنذ الأيام الأولى للحرب برزت مطالبات واسعة من خبراء الاقتصاد والمختصين بضرورة اتخاذ إجراءات استثنائية لحماية الاقتصاد الوطني وفي مقدمتها تغيير العملة للحد من اثار عمليات النهب الواسعة التي طالت البنوك والمؤسسات المالية من قبل الدعم السريع غير أن تلك الدعوات لم تجد الاستجابة المطلوبة في ذلك الوقت من قبل المحافظ السابق المليشي جنكول الذي عينته المليشيا محافظا لبنكها وانما يدلل ذلك على انه كان ينخر الاقتصاد داخليا .
اليوم وبعد أن تجاوز الدولار مستويات قياسية تبدو الحاجة أكثر إلحاحا لمراجعة السياسات الاقتصادية التي أُقرت خلال الفترة الماضية وعلى رأسها قرار حظر استيراد بعض السلع فرغم أن الهدف المعلن كان تقليل الطلب على العملات الأجنبية ودعم المنتج الوطني إلا أن الواقع أظهر تحديات مختلفة خاصة في ظل الأضرار الكبيرة التي لحقت بالقطاع الصناعي جراء الحرب.
فالمصانع التي يفترض أن تسد فجوة الاستيراد ما زالت تواجه تحديات تتعلق بالبنية التحتية والطاقة والتمويل والخدمات اللوجستية الأمر الذي يجعل من الصعب عليها تلبية احتياجات السوق المحلية بالكفاءة المطلوبة، لذلك فإن مراجعة القرار أو تأجيل تطبيقه بصورة كاملة إلى حين اكتمال جاهزية القطاع الإنتاجي قد يكون خيار يستحق الدراسة على أن يكون عام التأسيس الصناعي.
وفي المقابل فإن المعركة الحقيقية ضد تدهور العملة الوطنية لا تحسم بالقرارات الإدارية وحدها وإنما عبر تعزيز الإنتاج وزيادة الصادرات وتوفير موارد حقيقية للنقد الأجنبي ويأتي في مقدمة ذلك الاهتمام بالقطاع الزراعي وإعادة تأهيل قطاعات النفط والمعادن باعتبارها الركائز الأساسية القادرة على رفد الاقتصاد بالموارد المطلوبة إذا ما أُديرت بكفاءة وشفافية ورقابة صارمة.
كما أن المرحلة الحالية تتطلب تعزيز أدوات المتابعة والمحاسبة داخل الجهاز التنفيذي وضمان توجيه الموارد المتاحة نحو الأولويات الحقيقية التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.
لقد بدأت الان أعداد كبيرة من السودانيين في العودة إلى مدنهم وقراهم رغم حجم الدمار والمعاناة التي خلفتها الحرب عادوا وهم يحملون أمل كبير في إعادة إعمار وطنهم واستئناف حياتهم الطبيعية بعد أن ذاقوا مرارة النزوح واللجوء والتشرد.
ومن هنا فإن التحدي الأكبر أمام حكومة الأمل لا يتمثل فقط في إدارة الملفات السياسية وإنما في قدرتها على توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة للمواطنين من خدمات وكهرباء ومياه واستقرار اقتصادي وفرص عمل.
سيدي رئيس الوزراء إن ارتفاع الدولار ليس مجرد رقم يتغير في شاشات التداول بل هو مؤشر ينعكس مباشرة على أسعار السلع والدواء والخدمات ومعيشة المواطنين ولذلك فإن الشارع يترقب قرارات عملية وشجاعة تعيد الثقة للأسواق وتبعث برسائل طمأنة للمواطن الذي أنهكته الأزمات.
ويبقى السؤال المطروح هل نشهد خلال الفترة المقبلة حزمة إصلاحات اقتصادية قادرة على كبح جماح الدولار وإعادة البسمة إلى وجوه السودانيين؟أم أن رحلة الصعود ما زالت ستستمر؟
ولنا عودة
9 يونيو 2026م


