منذ اندلاع النزاع المسلح في السودان في الخامس عشر من أبريل 2023، تصاعدت بصورة غير مسبوقة الانتهاكات الجسيمة ضد المدنيين، وعلى رأسها جرائم العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، والتي شملت الاغتصاب الفردي والجماعي، والاستعباد الجنسي، والزواج القسري، والاعتداءات الجنسية ضد النساء والفتيات، بل وحتى الأطفال، في عدد من الولايات السودانية، خاصة الخرطوم ودارفور والجزيرة وكردفان.
ويُعد الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي أثناء النزاعات المسلحة من أخطر انتهاكات القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، إذ يُستخدم في كثير من الأحيان كسلاح حرب بقصد إذلال المجتمعات وتفكيك النسيج الاجتماعي وبث الرعب بين السكان المدنيين. كما يترتب على هذه الجرائم مسؤولية جنائية فردية، سواء على مستوى المنفذين المباشرين أو القادة الذين أمروا بها أو تقاعسوا عن منعها.
وقد وثقت تقارير دولية وأممية عديدة حجم الانتهاكات المرتكبة خلال النزاع الحالي في السودان.
فقد أعلنت الأمم المتحدة وصندوق الأمم المتحدة للسكان أن آلاف النساء والفتيات تعرضن للعنف الجنسي منذ اندلاع الحرب، بينما أكدت بعثة تقصي الحقائق التابعة لمجلس حقوق الإنسان أن هناك “أنماطاً واسعة ومنهجية” من العنف الجنسي المرتبط بالنزاع.
وأشارت تقارير دولية إلى أن غالبية الحالات الموثقة نُسبت إلى عناصر من قوات الدعم السريع والجماعات المتحالفة معها، خاصة في مناطق الخرطوم ودارفور والجزيرة.
كما وثقت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش حالات اغتصاب جماعي واحتجاز نساء وفتيات داخل منازل ومقار احتجاز، إضافة إلى الاستعباد الجنسي والاختطاف.
ووفقاً لتقارير الأمم المتحدة خلال عامي 2024 و2025، تم توثيق مئات الحالات المؤكدة، مع الإشارة إلى أن الأرقام الحقيقية يُرجح أن تكون أعلى بكثير بسبب الخوف من الوصمة الاجتماعية، وضعف الوصول إلى خدمات العدالة والرعاية الصحية، والانهيار الأمني الذي تعيشه مناطق النزاع.
كما أفادت منظمات دولية بأن بعض الضحايا أقدمن على الانتحار أو عانين من اضطرابات نفسية حادة نتيجة ما تعرضن له.
ويمثل العنف الجنسي المرتبط بالنزاع جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، كما قد يشكل جريمة ضد الإنسانية إذا ارتُكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد السكان المدنيين.
وقد سبق لمجلس الأمن الدولي أن اعتبر استخدام العنف الجنسي أثناء النزاعات تهديداً للسلم والأمن الدوليين، وذلك بموجب القرار 1325 والقرارات اللاحقة المتعلقة بالمرأة والسلام والأمن.
وعلى المستوى الوطني، اتخذ السودان خلال السنوات الماضية عدداً من التدابير التشريعية لمكافحة العنف الجنسي.
فقد تم تعديل القانون الجنائي لسنة 1991 في عام 2009 لمواءمته مع أحكام القانون الدولي الإنساني، وإدخال جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ضمن التشريعات الوطنية، بما يشمل جرائم العنف الجنسي أثناء النزاعات المسلحة.
كما صدر تعديل عام 2015 لمعالجة الإشكالات المتعلقة بتعريف جريمة الاغتصاب والفصل بينها وبين جريمة الزنا، وذلك لتفادي عزوف الضحايا عن التبليغ بسبب الخلط القانوني الذي كان قائماً.
ثم جاء تعديل عام 2020 ليشدد عقوبة الاغتصاب إلى السجن المؤبد بعد أن كانت العقوبة لا تجاوز عشر سنوات مع الجلد.
كذلك نص قانون القوات المسلحة لسنة 2007 تعديل 2013 على تجريم الاغتصاب والمعاقبة عليه بالسجن لمدة قد تصل إلى عشرين سنة إذا ارتُكب في إطار سلوك منهجي أثناء العمليات العسكرية.
وعلى المستوى الصحي والإجرائي، أصدرت وزارة الصحة الاتحادية بروتوكولات المعالجة القياسية لضحايا الاغتصاب، والتي تتضمن تقديم الرعاية الطبية العاجلة، والعلاج الوقائي من الأمراض المنقولة جنسياً، ومنع الحمل الطارئ، والدعم النفسي، وتوثيق الأدلة الجنائية وفقاً لموافقة الناجية واحترام خصوصيتها.
كما أصدر وزير العدل في عام 2016 منشوراً يقضي بحق ضحايا العنف الجنسي في تلقي العلاج دون اشتراط استخراج “أورنيك 8 جنائي”، حمايةً للضحايا وتشجيعاً لهن على طلب الرعاية الصحية العاجلة دون خوف من التعقيدات الإجرائية.
غير أن استمرار النزاع والانهيار المؤسسي الواسع في السودان أضعفا بصورة كبيرة إمكانية الوصول إلى العدالة والحماية.
فقد تعرضت المستشفيات ومراكز الدعم للإغلاق أو التدمير، كما تعاني النساء الناجيات من صعوبات بالغة في الوصول إلى العلاج النفسي والخدمات القانونية ومراكز الإيواء الآمنة.
ومن ثم، فإن حماية الناجيات من العنف الجنسي في السودان تتطلب استجابة شاملة تشمل:
* ضمان الوصول الآمن والسريع للخدمات الطبية خلال الساعات الأولى من الاعتداء.
* توفير الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني للناجيات.
* حماية الضحايا والشهود من الانتقام والوصمة المجتمعية.
* توثيق الجرائم وفق المعايير الدولية.
* عدم إفلات الجناة من العقاب، سواء أمام القضاء الوطني أو الآليات الدولية.
* دعم المبادرات الوطنية والدولية لرصد الانتهاكات وجمع الأدلة.
إن الصمت عن جرائم العنف الجنسي أثناء النزاعات لا يؤدي فقط إلى إفلات الجناة من العقاب، بل يساهم في إعادة إنتاج العنف وتقويض فرص السلام والعدالة.
ولذلك فإن حماية النساء والفتيات في السودان لم تعد مجرد مسألة إنسانية، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لمدى التزام المجتمع الدولي والدولة السودانية بمبادئ العدالة وحقوق الإنسان وسيادة القانون.


