41.1 C
Khartoum
الخميس, يونيو 18, 2026

تهريب الذهب والسلع الإستراتيجية.. كيف تستنزف شبكات التهريب الاقتصاد السوداني؟ قلم وطني بقلم: خالد المصطفى إعلام لواء الردع

إقرأ ايضا

في مشهد يتكرر يومياً على حدود السودان الشاسعة، تتدفق أطنان من الذهب والسلع الاستراتيجية بصمت نحو الخارج، فيما تعجز الخزينة العامة عن تحصيل عُشر قيمتها. فبينما ينتج السودان نحو سبعين طناً من الذهب سنوياً، تشير تقديرات إلى أن الإنتاج الفعلي قد يتجاوز مائة وعشرين طناً، مع تهريب كميات كبيرة إلى دول الجوار. وتكبد هذه الظاهرة الدولة خسائر تقدر بنحو ثمانية مليارات دولار سنوياً، في وقت يرزح فيه أكثر من نصف السكان تحت وطأة الجوع الحاد.

تعود جذور أزمة التهريب إلى حدود السودان المترامية التي لا يمكن السيطرة عليها بسهولة. لكن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 حولت هذه الظاهرة من مشكلة هيكلية مزمنة إلى كارثة متسارعة، إذ تنشطت شبكات التهريب الدولية بنسبة سبعين في المائة، مستغلة الظروف الأمنية الهشة. وأصبح الذهب المصدر الأول لتمويل الحرب، حيث بات يموّل شراء الأسلحة والذخائر. ولم تقتصر عمليات التهريب على الذهب، بل امتدت لتشمل السلع المدعومة والمحاصيل الزراعية كالصمغ العربي والثروة الحيوانية.

في الواقع الراهن، يشكل التهريب اقتصاداً موازياً هائلاً. وتشير تقديرات إلى أن أكثر من خمسة وخمسين طناً من الذهب اختفت في اقتصاد الظل خلال الفترة بين 2023 و2025، حيث يسيطر التعدين الأهلي والأسواق الموازية الآن على أكثر من ثمانين في المائة من الصناعة. ولم تدخل الخزينة العامة سوى 12.5 طناً فقط من إجمالي الإنتاج القياسي. وتنشط شبكات التهريب عبر مسارات معقدة تمتد عبر تشاد وجنوب السودان ومصر وليبيا، لتصل في نهاية المطاف إلى الإمارات العربية المتحدة التي باتت الوجهة النهائية لمعظم الذهب المهرب.

وترتب على هذا النزيف تبعات كارثية، أبرزها خسائر تقدر بسبعة إلى ثمانية مليارات دولار سنوياً كان يمكن تحصيلها عبر القنوات الرسمية. وفي تطور لافت، أدى الحظر الفعلي للرحلات الجوية من الإمارات إلى بورتسودان في أغسطس 2025 إلى انخفاض قيمة الجنيه السوداني بنحو أربعين في المائة، مما يكشف عمق الاعتماد الاقتصادي على الإمارات رغم توتر العلاقات الدبلوماسية.

في مواجهة هذا الوضع، اتخذت السلطات خطوات لضبط الحدود، فأصدر بنك السودان المركزي في سبتمبر 2025 قراراً بحظر صادرات الذهب الخاصة، وجُرم حيازة الذهب أو تخزينه دون وثائق رسمية. كما جرى تجهيز قوة مشتركة لتأمين الحدود، وأسفرت الإجراءات عن زيادة الإيرادات الجمركية. ويعاقب القانون كل من يثبت تورطه في التهريب بالسجن لمدة تتراوح بين عام وعشرة أعوام، مع مصادرة المضبوطات ووسائل النقل المستخدمة.

ولا يقتصر نزيف الثروات على الذهب، بل يمتد ليشمل الصمغ العربي الذي ينتج السودان نحو ثمانين بالمئة من إمداداته العالمية، وهي المادة التي تدخل في صناعة مشروبات كوكاكولا ومارس ومستحضرات لوريال. وقد سيطرت قوات الدعم السريع على مناطق إنتاج الصمغ الرئيسية في كردفان ودارفور، وفرضت رسوماً على الشاحنات المحملة بالصمغ. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الإنتاج انخفض من 150 ألف طن إلى 60 ألف طن بسبب النزاع.

وتنشط في عمليات التهريب قبائل حدودية كالرزيقات والمعاليا والحبانية والمسيرية، التي تمتد مناطقها على جانبي الحدود مع تشاد وجنوب السودان. وتتعدد مسارات التهريب، فيُهرّب الصمغ عبر معبر أدري إلى تشاد، وعبر أم دافوق إلى أفريقيا الوسطى، وعبر الضعين إلى جنوب السودان، بينما تمر شحنات السمسم والفول السوداني عبر معبر القلابات إلى إثيوبيا.

إن استمرار هذا النزيف يعني تآكل مقدرات الدولة، في وقت تستفيد فيه مليشيا الذعم السريع من عائدات هذه التجارة الذي تهربه الى دويلة الشر . ويمكن للذهب والصمغ العربي أن يتحولا إلى أدوات ضغط على الدول التي تعاونت مع الإمارات، كالولايات المتحدة والدول الأوروبية، فالتاريخ يشهد أن السودان استخدم ورقة الصمغ للضغط على أميركا لرفع العقوبات. ولتحقيق ذلك، لا بد من منهجية متكاملة تجمع بين تعزيز التواجد الأمني على المعابر، وتفعيل دور الغرف التجارية، واستخدام تقنيات التتبع الإلكتروني عبر الأقمار الصناعية، والطائرات بدون طيار لمراقبة الحدود، وإنشاء بورصة سودانية للذهب والسلع الإستراتيجية لتكون منصة رسمية للتداول.

في الختام، إن مكافحة تهريب السلع الإستراتيجية ليست مجرد معركة أمنية، بل هي معركة وجودية لإنقاذ الاقتصاد الوطني. فمن الذهب الذي يموّل الحرب، إلى الصمغ العربي الذي يزين مشروبات العالم، والمواشي والسمسم التي تغذي الأسواق، كل هذه الثروات هي ملك للشعب السوداني، ولا يمكن قبول أن تتحول إلى وقود للحرب وأداة لإثراء شبكات التهريب على حساب مستقبل الأمة.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة