44.2 C
Khartoum
الأحد, يونيو 21, 2026

العمالة لا تصنعها الصدفة.. كيف خططت الشبكات الخارجية لإغراق السودان في حرب مفتوحة؟ قلم وطني بقلم: خالد المصطفى إعلام لواء الردع

إقرأ ايضا

ليس المشهد السوداني اليوم مجرد انفجار عشوائي لصراع عابر، بل هو المصير المحتوم الذي خططت له أيادٍ خفية لا تؤمن بالمصادفة، فبعد أن فشلت الثورة قحط وفشل حمدوك العميل فأعلن استقالته، لجأت القوى المدنية إلى الاتفاق الإطاري ، وعندما فشل هذا الاتفاق الإطاري وقبله قالوها علنا في كل الوسائط عملاء قحط علانا اما الاتفاق الاطاري اما الحرب، وبعد كل هذا الفشل لم يبقَ أمام المخططين سوى إشعال فتيل الحرب عبر تمرد مليشيا الدعم السريع بقيادة البعاتي محمد حمدان دقلو، في مشهد يضع العقل الاستخباراتي الغربي خلف خيوطه ببرود واحترافية جارفة. فما يراه البعض “انفجاراً مفاجئاً” هو في جوهره ذروة مخطط استراتيجي، جُهزت له الأرضية منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، بإيقاع بطيء وحسابات أمريكية وبريطانية وإسرائيلية معروفة بـ”النفس الطويل”، والتي تهدف إلى تفتيت الدولة من الداخل دون ترك بصمة مباشرة، تماماً كما حدث في اليمن وسوريا وليبيا والعراق ودول أخرى حول العالم.

تكشف الصور التاريخية والوثائق المتداولة عن عمق الاختراق الذي طال النخبة السياسية السودانية، حيث تبرز علاقات مبكرة للعميل عبد الله حمدوك مع شخصيات بارزة مثل ياسر عرمان، والراحل جون قرنق، ورجاء نيكولا، يعود بعضها إلى أعوام 1987 و1993 و1996. هذه الارتباطات، التي وثقها باحثون في مراكز دراسات غربية، لم تكن لقاءات عابرة، بل مثلت استثماراً بشرياً طويل الأمد، أُعدت فيه هذه الكوادر لتكون أدوات نفوذ في لحظات التحول الكبرى. هذا النمط من التغلغل، الذي يعتمد على تبني شخصيات سياسية مبكراً، هو ما تجسد لاحقاً في تيسير العميل حمدوك لعنة الله عليه للتحولات السياسية التي فتحت الباب واسعاً أمام تدخلات إقليمية ودولية داخل البلاد، وفق ما يراه مراقبون للشأن السوداني.

على المستوى العملياتي، تحولت دويلة الشر إلى الذراع التنفيذي الأساسي لهذا المحور، حيث باتت تمول وتسلح مليشيا الدعم السريع بغطاء لوجستي متكامل. فوفقاً لوثائق قدمها الجيش السوداني إلى مجلس الأمن في يونيو 2024، وتقارير صحفية استقصائية مثل تحقيق “الغارديان” البريطانية، دخلت أسلحة بريطانية الصنع، تتضمن أنظمة استهداف ومحركات مدرعات، إلى السودان عبر مطارات تابعة لدويّة الشر، فيما واصلت لندن منح تراخيص تصدير متواطئة لدويّلة الشر. ولم تقتصر الآلية على السلاح، بل تضمنت نهباً منظماً للثروة الوطنية، إذ ارتفعت واردات دويلة الشر من الذهب السوداني بنسبة تتجاوز 70% أثناء الحرب، مما حوّل الدماء السودانية إلى سبائك تموّل استمرار الاقتتال عبر شبكات تجارية في عاصمة دويلة الشر تعمل كواجهة لتمويل العمليات العسكرية للمليشيا.

القناة اللوجستية لهذا الدعم لا تقف عند الحدود الشرقية، بل تمتد عبر تشاد وليبيا حيث يلعب خليفة حفتر دوراً محورياً نيابة عن دويلة الشر. إذ كشف تقرير لمنظمة “سنتري” الأمريكية المتخصصة في تحليل النزاعات، عن تزويد قوات حفتر المليشيا بالوقود المهرب عبر الكفرة، مما مكنها من حشد قواتها في دارفور وتنفيذ عمليات تكتيكية واسعة. إلى ذلك، وقفت حكومتا تشاد وجنوب السودان كحليفين عمليين، حيث سهلت أراضيهما عبور الأسلحة تحت غطاء المساعدات الإنسانية، واستقبلت جنوب السودان تحديداً عبر تمرير مقاتلين من قبيلة النوير، شاركوا في عمليات عسكرية متقدمة شمال الخرطوم وقدموا تدريباً في المدفعية. ولم تقتصر المرتزقة على الأفارقة، فبحسب تقارير “هيومن رايتس ووتش”، استعانت دويلة الشر بمرتزقة كولومبيين جُندوا عبر شركات أمنية خاصة، لتكتمل الصورة بشبكة تمتد من أمريكا الجنوبية إلى القرن الأفريقي، تشير بعض التقديرات إلى أن نسبة الأجانب في بعض الجبهات بلغت حوالي 85%.

ما يجري اليوم في دارفور وكردفان من إبادة وتهجير ليس نتاج لحظة غضب عشائري، بل هو ذروة مخطط طُوّر على مراحل، مستفيداً من أدوات محلية وأطراف إقليمية، في مشهد يحوله، وفق تحليل مركز “بروكينغز”، إلى ساحة حرب بالوكالة تتصارع فيها النفوذ الدولية والإقليمية، بينما يُستخدم السودان كمختبر لتجربة نظم حكم هجينة ونهب موارد، يُدفع ثمنها المدنيون في دارفور ومناطق الصراع عبر جرائم تطال الإبادة الجماعية.

في الختام، تثبت التفاصيل المتراكمة أن تمرد مليشيا الدعم السريع بقيادة البعاتي لم يكن خياراً عسكرياً آنياً، بل كان المحطة النهائية في مصير محتوم رُسم بدقة بعد فشل كل الخيارات المدنية التي أوصلها العميل الخائن لوطنه حمدوك (عنبلوك) إلى الاتفاق الإطاري ثم إلى الهاوية. ولن ينقذ السودان إلا بفضح هذه المؤامرة التي قادها فشل المدنيين العملاء الخائنين الى وطنهم إلى الاتفاق الإطاري ثم إلى الحرب، والحل الجذري لا يكمن في مفاوضات صورية ترعاها الجهات المتورطة ذاتها، بل في مقاطعة سياسية واقتصادية واضحة لدويّة الشر وحلفائها، ورفع قضية دولية موحدة أمام المحاكم الجنائية الدولية بتهمة التآمر لارتكاب جرائم حرب، مع بناء جبهة سودانية داخلية صلبة تضع مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات، وتجرم أي تفاوض مع هذه المليشيا المتمردة المدعومة خارجياً، لأن البلاد ليست مزرعة لتجارب الآخرين، ولا يمكن أن تبنى وطنية السودانيين على رماد مؤامرات الخارج.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة