35.4 C
Khartoum
الجمعة, يونيو 26, 2026

الجزيرة بين الوقود والتعليم.. أزمات تتقاطع في معاناة المواطن كتبت: محاسن عثمان نصر

إقرأ ايضا

تعيش ولاية الجزيرة واقعاً تثقل كاهله أزمات متشابكة، حتى بات السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يحافظ الإنسان على توازنه النفسي وسلامه الداخلي وسط هذا الكم من الضغوط؟ لا يكمن الجواب في تجاهل الواقع أو التكيف مع المعاناة، وإنما في امتلاك وعي يميز بين ما يمكن تغييره وما يحتاج إلى إرادة إصلاح. غير أن هذا التوازن يظل هشاً عندما تتحول أبسط متطلبات الحياة إلى معركة يومية.

وتبدأ المعاناة عند محطات الوقود، حيث يقضي المواطن ساعات طويلة في طوابير الانتظار، ليجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ: العودة من دون وقود، أو اللجوء إلى السوق السوداء بأسعار تفوق السعر الرسمي بأضعاف. ولم تعد أزمة المحروقات مجرد نقص في الإمدادات، بل أصبحت انعكاساً لاختلال منظومة التوزيع وضعف الرقابة، بما أفسح المجال للمضاربة والاحتكار على حساب المواطنين.

ولا يقتصر أثر الأزمة على محطات الوقود، بل يمتد إلى النقل والإنتاج الزراعي وأسعار السلع الأساسية، بالتزامن مع استمرار تراجع الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، الأمر الذي يفاقم أعباء المعيشة ويقلص القدرة الشرائية للأسر.

وفي قطاع التعليم، تبرز أزمة لا تقل خطورة، إذ فقدت المدارس كثيراً من استقرارها، ليس لعزوف الطلاب عن التعلم، وإنما لأن المعلم بات عاجزاً عن أداء رسالته في ظل رواتب لا تواكب الحد الأدنى من متطلبات الحياة.

ولا يمكن اختزال إضراب المعلمين في كونه خلافاً وظيفياً أو مطلباً نقابياً، فهو انعكاس مباشر للأوضاع الاقتصادية التي دفعت كثيراً منهم إلى حافة العجز عن إعالة أسرهم. وفي المقابل، يظل الطالب الخاسر الأكبر، مع تآكل العام الدراسي، بينما يبقى الحديث عن العام التعويضي حلاً مؤقتاً لا يعالج جذور الأزمة.

ورغم اختلاف مظاهر هذه الأزمات، فإنها تلتقي عند سبب رئيس يتمثل في ضعف الإدارة وتأخر الاستجابة. فعندما تتعثر منظومة توزيع الوقود، وتتراجع القوة الشرائية للعاملين، وتضطرب الخدمات الأساسية، تتآكل ثقة المواطن في قدرة المؤسسات على إدارة شؤونه بكفاءة.

والخروج من هذه الدائرة لا يتطلب حلولاً استثنائية، بل قرارات عملية تبدأ بإعادة النظر في الهيكل الراتبي للمعلمين وسائر العاملين بالدولة بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي، باعتبار ذلك استحقاقاً لاستقرار المجتمع، لا مجرد استجابة لمطالب فئوية. كما تبرز ضرورة إصلاح منظومة توزيع المحروقات، وتشديد الرقابة على منافذ البيع، وملاحقة شبكات الاحتكار التي تتربح من معاناة المواطنين.

إن السلام الداخلي الذي ينشده مواطن الجزيرة ليس ترفاً فكرياً، بل ثمرة شعور بالأمان والاستقرار وصون الكرامة. فلا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية بينما ينشغل المواطن بتأمين الوقود، أو ينتظر استئناف الدراسة، أو يواجه موجات الغلاء المتلاحقة.

وعندما تصبح الأزمات جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، فإن مسؤولية معالجتها تقع على عاتق مؤسسات الدولة، من خلال قرارات تعيد الثقة، وتصون الكرامة، وتضع حقوق المواطنين في مقدمة الأولويات.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة