بعض العلماء يقولون لافرق بين العين والحسد؛ لأن أصل العين -عندهم- من الحسد، ويرون بأن العائن في قلبه حسد للآخرين، وبطبعه لايحب الخير للآخرين.
لكنني (لا أرى ذلك)، فهناك تفصيل في الأمر لعله فات على البعض، إذ قد تقع العين -حتى- من المؤمن الصالح، وقد ذكر النبى صلى الله عليه وسلم العين وتحدث عن تأثيرها وحدوثها، ونبه على الغفلة التى تلحق العائن إذا رأى ما يعجبه، ثم أمره بقول ماشاء الله تبارك الله أو أيما دعاء بالبركة، وبذلك فإن عين العائن لن تصيب احدا إلا إن شاء الله، أما العائن -على الأغلب- فلايتمنى زوال النعمة من الآخرين، فقد تصيب عين الوالد أو الوالدة ابنهما، وبلا جدال فإنهما لايتمنيان زوال النعمة، إنما هو إعجاب به ومحبة غير منضبطة تجاوزت الحد، فيستغلها الشيطان ويجعلها مولجا يدخل منه في حال لم يلهج لسان الأم والأب ب(ماشاء الله) او أيما ذكر لله بين يدي نظرة اعجابهما.
وبيننا أناس مشهورون بالوصف والتشبيه، ومنهم ابراهيم الزومة رحمه الله والد زميل دراستي في مدرسة كريمة الثانوية صديقي اسماعيل، ومع كثرة اوصافه وتشبيهاته للناس والأشياء لم يتسبب في ضرر لأحد ولم يشتكي منه إنسان ويعتبرها (عين) إلى أن ارتقى إلى ربه وودعه الناس بمحبة غامرة واستحسان وحزن على فراقه عميم، اسأل الله ان يغفر له ويرحمه ويفتح له في مرقده بابا من الجنة لايسد، وهذا الوصف ارتهن واشتهرت به -كما هو معلوم- قبيلة بحالها.
ومعروف عند اهلنا أن العين السبب الغالب في أمراض الناس بعد قضاء الله تعالى، والسبب في ذلك كثرة انتشار الحسد في الناس والعياذ بالله، وذلك تتسبب فيه القلة التي ذكرتها أعلاها، وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم: (أكثر ما يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره من العين). حسن إسناده الإمامان ابن حجر والألباني رحمهما الله تعالى.
وقبل الحديث عن الحسد؛ ينبغي أن نعلم بأن كل ما يجري في هذا الكون يكون بتقدير من الله تعالى، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، والأدلة في ذلك من القرآن والسنة كثيرة.
ولكن من حكمة الله تعالى أنه جعل للعين تأثيرا، ولكن بإذن منه سبحانه، وقد دل على ذلك القرآن وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن أدلة القرآن قوله تعالى عن يعقوب عليه السلام: {وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة} يوسف 67، وقال بعض الثقات: كان خوفا منه عليهم من العين، وقد وصف الله يعقوب بعد ذكره لهذه المسألة قائلا: {وإنه لذو علم لما علمناه}.
وقال الله تعالى لنبينا صلى الله عليه وسلم: {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون} القلم51.
والمقصود بالإزلاق بالبصر هنا، (العين).
لذلك صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم بأن العين حق، فعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا) رواه مسلم.
وورد في السلسلة الصحيحة للشيخ الألباني: (العين تدخل الرجل القبر، والجمل القدر). وقال إنه حديث حسن.
فحقيقة العين كما أسبقت أنها نظر باستحسان على عمومها، وقد تأتي من المؤمن الصالح ومن الوالدين.
أما في في حالة الحسد فإن الله جل جلاله عندما ذكر الحاسد، ذكره مقرونا بالشر فقال تعالى {ومن شر حاسد إذا حسد}
و عليه فإن الحسد مغاير للعين، والفرق بينهما أن الحسد يقع من نفس حاقدة، وصاحبها تجده دوما ضعيف إيمان، وقد يكون من الكارهين للدين او جاهل به، ويبقى الحسد أعم من العين.
لكن…
قد يكون يكون (بعض) العائنين حسادا، وليس كل عائن حاسد، والحساد وبعض هؤلاء العائنين يشتركون فى الأثر، فيسببون ضررا للمعيون المحسود، ولكن يختلف الحسد والعين فى المصدر، فمصدر الحسد تحرق القلب واستكثار النعمة على المحسود وتمنى زوالها عنه، أما العائن فمصدره (انقداح نظرة العين)، لذلك قد يصيب العائن جمادا أو حيوانا أو زرعا أو مالا، وربما أصابت عينه (نفسه) او ولده كما ذكرت آنفا، فإن رؤيته للشئ رؤية اعجاب غير منضبط، وتحديق مع جبلة في نفسه تؤثر فى المعين.
وكل من يتحدث عن الحسد لا أخاله يتجاوز ماذكره البروف عبدالله الطيب رحمه الله، والحق أقول بانني لم أسمع ذلك منه او أقع عليه، لكنه سمعته يتحدث عن حسد (النخبة) له عندما عمل في جامعة الخرطوم، تحدث عن حسد دكاترة وبروفيسورات!
وقد ورد في الموسوعة الفقهية:
إذا أدى الحسد إلى التلف أو القتل أو اعترف الحاسد بأنه قتله بالعين ففي وجوب القصاص أو الدية خلاف. فقال القرطبي كما ذكر الحافظ في الفتح: لو أتلف العائن شيئا ضمنه, ولو قتل فعليه القصاص أو الدية إذا تكرر ذلك منه بحيث يصير عادة, وهو في ذلك كالساحر. وتذكر كتب الشافعية أن العائن إذا أصاب غيره بالعين واعترف بأنه قتله بالعين فلا قصاص, وإن كانت العين حقا؛ لأنه لا يفضي إلى القتل غالبا ولا يعد مهلكا, ولا دية فيه ولا كفارة؛ لأن الحكم إنما يترتب على منضبط عام دون ما يختص ببعض الناس في بعض الأحوال، وجاء ذكر الإستعاذة فى سورة الفلق من الحاسد وليس العائن، وان قال البعض بأن المسلم إن استعاذ من شر الحاسد دخل فيه العائن أيضا، وهؤلاء هم العائنون.
انتهى.
ان شاء الله في الجزء الثاني من المقال، سأتحدث عن طرق الوقاية من العين والحسد، وماينبغي للمسلم فعله إن أصيب بالعين او الحسد، وكيف يعرف أنه معيون أو محسود، وسأتحدث في المقال الثالث عن السحر بتوفيق الله.
آمنت بالله.
adilassoom@gmail.com
هل كل عائن حاسد؟، وهل للعين علاقة بالسحر؟ 3/1 ….عادل عسوم


