ليست كل كلمة تُكتب تُعد حقيقة، وليست كل مقالة تمثل الرأي العام، فالنقد رسالة سامية متى التزم بالعدل والإنصاف، أما إذا انتقى جانبًا واحدًا من المشهد وأغفل بقية الصورة، فإنه يتحول إلى ظلم لا يخدم قضية ولا ينصف مؤسسة.
لقد طالعت ما كتبته الأستاذة عائشة الماجدي عن جامعة أم درمان الإسلامية وكلية الدراسات العليا ومعهد الدراسات الاستراتيجية، واستوقفني أن المقال لم يشر، ولو بكلمة واحدة، إلى الظروف الاستثنائية التي تعمل فيها مؤسسات التعليم العالي السودانية منذ اندلاع الحرب، وكأن الجامعة تعمل في بيئة مستقرة تخلو من التحديات.
لقد تعرض السودان لحرب عطلت مؤسسات الدولة، وشردت الملايين، وأوقفت العمل في كثير من الجامعات، ومع ذلك كانت جامعة أم درمان الإسلامية من أوائل الجامعات التي أصرت على مواصلة رسالتها العلمية، ولم تستسلم للظروف، بل استمرت الدراسة في فروعها داخل السودان وخارجه، وعُقدت الامتحانات، وأُجيزت الرسائل العلمية، وأقيمت مناقشات الماجستير والدكتوراه في بورتسودان وغيرها، حفاظًا على مستقبل الطلاب واستمرار المسيرة الأكاديمية.
فهل هذا هو حال مؤسسة لا تبالي بطلابها؟
إن جامعة أم درمان الإسلامية ليست مجرد مبانٍ أو مكاتب، وإنما هي تاريخ علمي عريق، ومنارة خرّجت أجيالًا من العلماء والدعاة والقضاة والمفكرين، وأسهمت في بناء السودان وخدمة العالم الإسلامي لعقود طويلة.
ولا أحد ينكر أن هناك تحديات أو تأخيرًا في بعض الإجراءات، فذلك أمر تعاني منه معظم مؤسسات الدولة في هذه المرحلة، لكن معالجة هذه التحديات تكون بالحوار المؤسسي، ورفع المذكرات، والمتابعة الإدارية، لا بإطلاق أحكام عامة تُحمّل مؤسسة بأكملها مسؤولية واقع فرضته ظروف استثنائية يعرفها كل سوداني.
كما أن أعضاء هيئة التدريس ومجالس الأساتذة هم نخبة علمية أفنت أعمارها في خدمة التعليم والبحث العلمي، ومن غير المنصف أن تُصوَّر جهودهم وكأنها تعمد إلى تعطيل الطلاب، بينما هم أنفسهم يعملون في ظروف بالغة الصعوبة، ويواصلون أداء رسالتهم رغم كل ما يحيط بهم من تحديات.
إن الدفاع عن حقوق الطلاب حق مشروع، بل واجب، لكن من الواجب أيضًا الدفاع عن المؤسسات الوطنية التي صمدت في وجه الحرب، ولم تغلق أبوابها، ولم تتخلَّ عن رسالتها. فالنقد الحقيقي هو الذي يقوّم الأخطاء، ويُثمّن الإنجازات، ويضع المصلحة العامة فوق الانفعال.
وإذا كان هناك تأخير في انعقاد مجلس أو إكمال بعض الإجراءات، فإن ذلك يستحق المعالجة العاجلة والشفافة، لكن لا يجوز أن يكون سببًا للطعن في تاريخ جامعة بأكملها أو التقليل من قيمة منسوبيها وجهودها.
إن جامعة أم درمان الإسلامية ستظل، بإذن الله، قلعةً للعلم، ومنارةً للفكر الوسطي، ورمزًا للصمود الأكاديمي في أحلك الظروف، وستبقى شاهدة على أن الرسالة العلمية لا تتوقف بالحروب، بل تزداد قوة حين يؤمن بها رجالها ونساؤها.
ختامًا…
إننا نختلف في الرأي، لكننا يجب ألا نختلف في إنصاف مؤسساتنا الوطنية. فجامعة أم درمان الإسلامية ليست خصمًا لأبنائها، بل هي بيتهم العلمي، ونجاحها نجاح لهم، وتطويرها مسؤولية الجميع، بعيدًا عن التعميم، وبعيدًا عن الخطاب الذي يهدم أكثر مما يبني.


